تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.82

فالمسألة التي يشاؤها سبحانه تتحقق بكلمة " كن " فيكون الشيء. وقوله سبحانه وتعالى:

إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون

[يس: 82]. و " كن فيكون " عبارة طويلة بعض الشيء عند وقوع المطلوب، ولكن لا توجد عبارة أقصر منها عند البشر لأن الكاف والنون لهما زمن، وما يشاؤه الله سبحانه لا يحتاج منه إلى زمن، والمراد من الأمر " كن " أن الشيء يوجد قبل كلمة " كن " لأن كل موجود إنما يتحقق ويبرز بإرادة الله تعالى. ويريد الحق سبحانه هنا أن يبين لنا أن الحق إنما يأتي على ألسنة الرسل، ومعجزاتهم دليل على رسالتهم ليضع أنوف المجرمين في الرغام، وليريح العالم من إضلالهم ومن مفاسدهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه... ﴾.

10.83

وإذا كان السحرة - وهم عدة فرعون وعتاده لمواجهة موسى - أعلنوا الإيمان، فعاقبهم الفرعون وقال:

آمنتم له قبل أن ءاذن لكم..

[طه: 71]. فهذا يدل على أن فكرة الألوهية كانت ما تزال مسيطرة على عقله ولذلك خاف الناس من إعلان الإيمان ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿ فمآ آمن لموسى إلا ذرية.. ﴾ [يونس: 83]. وكلمة " ذرية " تفيد الصغار الذين لم تلمسهم خميرة من الفساد الذي كان منتشرا، كما أن الصغار يتمتعون بطاقة من النقاء، ويعيشون في خلو من المشاكل، ولم يصلوا إلى مرتبة السيادة التي يحرص عليها، ومع ذلك فهم قد آمنوا: ﴿ على خوف من فرعون وملئهم.. ﴾ [يونس: 83]. وكلمة ﴿ على خوف ﴾ تفيد الاستعلاء، مثل قولنا: " على الفرس " أو " على الكرسي " ويكون المستعلي في هذه الحالة متمكنا من المستعلى عليه " ومن يستعلي إنما يركب المستعلي، ويحمل المستعلي العبء. ولكن من استعمالات " على " أنها تأتي بمعنى " مع ". ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه:

ويطعمون الطعام على حبه..

[الإنسان: 8]. أي: يطعمون الطعام مع حبه. وحين يأتي الحق سبحانه بحرف مقام حرف آخر فلا بد من علة لذلك. ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه وتعالى:

فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل..

[طه: 71]. جاء الحق سبحانه بالحرف " في " بدلا من " على " ليدل على أن عملية الصلب ستكون تصليبا قويا، بحيث تدخل أجزاء المصلوب في المصلوب فيه. وكذلك قول الحق سبحانه وتعالى:

ويطعمون الطعام على حبه..

[الإنسان: 8]. فكأنهم هم المستعلون على الحب ليذهب بهم حيث يريدون. وكذلك قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ على خوف.. ﴾ [يونس: 83]. أي: أنهم فوق الخوف يسير بهم إلى دهاليز توقع الآلام. وهم هنا آمنوا: ﴿ على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم.. ﴾ [يونس: 83]. والكلام هنا من الحق الأعلى سبحانه يبين لنا أن الخوف ليس من فرعون لأن فرعون إنما يمارس التخويف بمن حوله، فمثلهم مثل زوار الفجر في أي دولة لا تقيم وزنا لكرامة الإنسان. وفرعون في وضعه ومكانته لا يباشر التعذيب بنفسه، بل يقوم به زبانيته. والإشارة هنا تدل على الخوف من شيعة فرعون وملئهم. وقال الحق سبحانه هنا: ﴿ يفتنهم ﴾ ، ولم يقل: " يفتنوهم " ليدلنا على ملحظ أن الزبانية لا يصنعون التعذيب لشهوة عندهم، بل يمارسون التعذيب لشهوة عند الفرعون. وهكذا جاء الضمير مرة جمعا، ومرة مفردا، ليكون كل لفظ في القرآن جاذبا لمعناه. وحين أراد المفسرون أن يوضحوا معنى ذرية قالوا: إن المقصود بها امرأة فرعون آسية، وخازن فرعون، وامرأة الخازن، وماشطة فرعون، ومن آمن من قوم موسى - عليه السلام - وكتم إيمانه.

كل هؤلاء منعتهم خشية عذاب فرعون من إعلان الإيمان برسالة موسى لأن فرعون كان جبارا في الأرض، مدعيا للألوهية، وإذا ما رأى فرعون إنسانا يخدش ادعاءه للألوهية فلا بد أن يبطش به بطشة فاتكة. لذلك كانوا على خوف من هذا البطش، فقد سبق وأن ذبح فرعون - بواسطة زبانيته - أبناء بني إسرائيل واستحيا نساءهم، وهم خافوا من هولاء الزبانية الذي نفذوا ما أراده فرعون. ولذلك جاء الضمير مرة تعبيرا عن الجمع في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وملئهم.. ﴾ [يونس: 83]. وجاء الضمير مفردا معبرا عن فرعون الآمر في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ أن يفتنهم.. ﴾ [يونس: 83]. فهم خافوا أن يفتنهم فرعون بالتعذيب الذي يقوم به أعوانه. والحق سبحانه وتعالى هو القائل: ﴿ وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين ﴾ [يونس: 83]. والمسرف: هو الذي يتجاوز الحدود. وهو قد تجاوز في إسرافه وادعى الألوهية. وقد قال الحق سبحانه ما جاء على لسان فرعون:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥١٨