تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والله لا يهدي القوم الكافرين

[التوبة: 37]. وقوله سبحانه:

والله لا يهدي القوم الفاسقين

[التوبة: 24]. إذن: فقد بين الحق سبحانه لنا من الذين يهديهم إلى الجنة ومن الذين لا يهديهم، فلا يقولن أحد: وما ذنب الكافرين والفاسقين؟ لأن الحق سبحانه قد بين منهجه، فمن أخذ به جعل له نورا يسعى بين يديه، ويدخله الجنة. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق... ﴾.

10.26

وكلمة ﴿ الحسنى ﴾ مثلها مثل قولنا: " امرأة فضلى " ونقول أيضا: امرأة كبرى، وهي أفعل تفضيل، أي: مبالغة في الفضل. والمقصود بقوله سبحانه: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ أي: بالغوا في أداء الحسنات، والحسنة كما نعلم بعشرة أمثالها، وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ فما هذه الزيادة؟ نقول: هي عطاء زائد في الحسنات، فهناك " كادر " للجزاء بالحسنات، يبدأ بعشرة أمثال الحسنة ويصل إلى سبعمائة ضعف، أما السيئة فبواحدة. وهذا " الكادر " لا يحدد فضل الله تعالى، بل الحق سبحانه يزيد من فضله من يشاء. ولذلك يجب ألا نفرق بين عدل الله سبحانه في أن الشيء يساوي الشيء، وفضل الله تعالى في أن يجزى على الشيء الحسن بأضعاف أضعاف ما نتصور. والحق سبحانه يقول:

قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا

[يونس: 58]. وقال قوم من العارفين بالله: إن الزيادة المقصودة هي في العشرة الأمثال والسبعمائة ضعف، والفضل هو ما فوق ذلك. وهكذا تتعدد مراتب الجزاء: فهناك العشرة الأمثال، والسبعمائة ضعف، والحسنى، والزيادة عن الحسنى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك:

" إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم. فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ".

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ﴾ أي: لا يغطي وجوههم غبار، وهو سبحانه القائل:

وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة

[القيامة: 22-23]. وهو سبحانه القائل:

ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة

[عبس: 40-41]. وترهقها: أي تغطيها، وقترة تعني: الغبار، وهي مأخوذة من القتار وهو الهواء الذي يمتلىء بدخان الدهن المحترق من اللحم المشوي، وقد تكون رائحته أخاذة ويسيل لها اللعاب، ولكن من يوضع على وجهه هذا القتار يصنع له طبقة سوداء. ويقول الحق سبحانه: ﴿ ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ﴾ [يونس: 26]. لأنهم اتقوا الله سبحانه وأحبوا منهجه. ويقول الحق سبحانه:

يوم تبيض وجوه وتسود وجوه..

[آل عمران: 106]. فليس المقصود هو لون الوجه في الدنيا لأنك قد تجد إنسانا أسود اللون لكنه بالإيمان قد أشرق وجهه، وأحاطت ملامحه هالة من البهاء. وهناك من هو أبيض الوجه ولكنه من فرط معصية الله صار وجهه بلا نور. ويقول الحق سبحانه: ﴿ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ [يونس: 26]. أي: أنهم ملازمون للجنة ملازمة الصاحب لصاحبه، أو " أصحاب الجنة " أي: من يملكونها. يقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٣٠