تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.71

ولقائل أن يقول: ولماذا جاء الله سبحانه هنا بخبر نوح - عليه السلام - ولم يأت بخبر آدم - عليه السلام - أو إدريس - عليه السلام - وهما من الرسل السابقين على نوح عليه السلام؟ ومن هنا جاءت الشبهة في أن آدم لم يكن رسولا لأن البعض قد ظن أن الرسول يجب أن يحمل رسالته إلى جماعة موجودة من البشر، ولم يفطن هؤلاء البعض إلى أن الرسول إنما يرسل لنفسه أولا. وإذا كان آدم - عليه السلام - أول الخلق فهو مرسل لنفسه، ثم يبلغ من سوف يأتي بعده من أبنائه. وقد أعطى الله سبحانه وتعالى التجربة لآدم - عليه السلام - في الجنة، فكان هناك أمر، وكان هناك نهي هو

وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة..

[البقرة: 35]. وحذره من الشيطان، ثم وقع آدم عليه السلام في إغواء الشيطان، وأنزله الله تعالى إلى الأرض واجتباه، وتاب عليه، ومعه تجربته، فإن خالف أمر ربه فسوف يقع عليه العقاب، وحذره من اتباع الشيطان حتى لا يخرج عن طاعة الله تعالى. إذن: فقد أعطاه الحق سبحانه المنهج، وأمره أن يباشر مهمته في الأرض في نفسه أولا، ثم يبلغه لمن بعده. وكما علمه الحق سبحانه الأسماء كلها، علم آدم الأسماء لأبنائه فتكلموا: وكما نقل إليهم آدم الأسماء نقل لهم المنهج، وقد علمه الحق سبحانه الأسماء ليعمر الدنيا، وعلمه المنهج ليحسن العمل في الدنيا ليصل إلى حسن جزاء الآخرة. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:

وعصى ءادم ربه فغوى

[طه: 121]. ويتبعها الحق سبحانه بقوله تعالى:

ثم اجتباه..

[طه: 122]. ومعنى الاجتباء: هو الاصطفاء بالرسالة لنفسه أولا، ثم لمن بعده بعد ذلك، والحق سبحانه هو القائل:

فإما يأتينكم مني هدى..

[البقرة: 38]. والهدى: هو المنهج المنزل على آدم عليه السلام، والرسالة ليست إلا بلاغ منهج وهدى من الله سبحانه للخلق. وإذا كان الحق سبحانه وتعالى هو القائل:

وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

[الإسراء: 15]. فالسابقون لنوح - عليه السلام - هم من أبلغهم آدم عليه السلام، والدليل هو ما جاء من خبر ابني آدم في قول الحق سبحانه:

واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا..

[المائدة: 27]. وهما قد قدما القربان إلى الله تعالى. إذن: فخبر الألوهية موجود عند ابني آدم بدليل قول الحق سبحانه:

إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين

[المائدة: 27]. إذن: فهم قد أقروا بوجود الله تعالى، وأيضا عرفوا النهي لأنه في إحدى الآيتين قال:

لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين

[المائدة: 28]. إذن: فالذين جاءوا بعد آدم - عليه السلام - عرفوا الإله الواحد، وعلموا المنهج. إذن: فالذين يقولون: إن آدم - عليه السلام - لم يكن رسولا، نقول لهم: افهموا عن الله جيدا، كان يجب أن تقولوا: هذه مسألة لا نفهم فيها، وكان عليهم أن يسألوا أهل الذكر ليفهموا عنهم أن آدم - عليه السلام - رسول، وأن من أولاده قابيل وهابيل، وقد تكلما في التقوى. أما لماذا جاء الحق سبحانه هنا بالحديث عن نوح، عليه السلام، فلنا أن نعلم أن آدم عليه السلام هو الإنسان الأول، وأنه قد نقل لأولاده المنهج المبلغ له، ودلهم على ما ينفعهم، ثم طال الزمن ونشأت الغفلة، فجاء إدريس عليه السلام، ثم تبعته الغفلة، إلى أن جاء نوح عليه السلام. وهنا يأتي لنا الحق سبحانه بخبر نوح - عليه السلام - في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه.. ﴾ [يونس: 71]. والنبأ: هو الخبر الهام الذي يلفت الذهن، وهو الأمر الظاهر الواضح. والحق سبحانه يقول:

عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم * الذي هم فيه مختلفون

[النبأ: 1-3]. إذن: فالنبأ هو الخبر الهام الملفت، وقد جاء هنا خبر نوح - عليه السلام - الذي يبلغ قومه أي: يخاطبهم، وهو قد شهد لنفسه أنه رسول يبلغ منهجا. وكلمة " قوم " لا تطلق في اللغة إلا على الرجال، يوضح القرآن ذلك في قوله الحق سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٩٩