تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.98

وهكذا يبين لنا الحق سبحانه أن هناك كثيرا من القرى لم تؤمن إلا وقت العذاب، فلم ينفع أيا منهم هذا الإيمان، ولكن قوم يونس قبل أن تأتي بشائر العذاب والبأس أعلنوا الإيمان فقبل الحق سبحانه إيمانهم لأنه سبحانه لا يظلم عباده. فمن وصل إلى العذاب، وأعلن الإيمان من قلب العذاب لا يقبل منه، ومن أحس واستشف بواكير العذاب وآمن فالحق سبحانه وتعالى يقبله. وكلمة " لولا " إذا سمعتها فمثلها مثل " لوما " ، وإذا دخلت " لولا " على جملة اسمية فلها حكم يختلف عن حكمها لو دخلت على جملة فعلية، فحين تدخل على جملة اسمية مثل: " لولا زيد عندك لأتيتك " تفيد أن امتناع المجيء هو بسبب وجود زيد، لكنها إن دخلت على جملة فعلية فيقال عنها: " أداة تحضيض وحث " مثل قول الحق سبحانه:

فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين..

[التوبة: 122]. أي: أنه كان يجب أن ينفر من كل طائفة عدد ليتدارسوا أمور الدين. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت.. ﴾ [يونس: 98]. أي: أنه لو أن هناك قرية آمنت قبل أن ينزل بها العذاب لأنجيناها كما أنجينا قوم يونس، أو كنا نحب أن يحدث الإيمان من قرية قبل أن يأتيها العذاب. إذن: فقوم يونس هنا مستثنون لأنهم آمنوا قبل أن يأتيهم العذاب. وهناك آية أخرى تتعلق بهذه القصة، يقول فيها الحق سبحانه:

فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون

[الصافات: 143-144]. أي: أن الذي منع يونس عليه السلام أن يظل في بطن الحوت إلى يوم البعث هو التسبيح. وهنا يبين الحق سبحانه الاستثناء الذي حدث لقوم يونس حين يقول: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ﴾ [يونس: 98]. أي: أن الإيمان نفع قرية قوم يونس قبل أن يقع بهم العذاب. ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿.. لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ﴾ [يونس: 98]. ونحن نعلم أن كلمة " قرية " تعني: مكانا مهيأ، أهله متوطنون فيه، فإذا ما مر عليهم زائر في أي وقت وجد عندهم قرى أي: وجبة طعام. ونحن نجد من يقول عن الموطن كثير السكان كلمة " بلد " ، وهؤلاء من يملكون طعاما دائما، أما من يكونون قلة قليلة في موطن ففي الغالب ليس عندهم من الطعام إلا القليل الذي يكفيهم ويكفي الزائر لمرة واحدة. وتسمى مكة المكرمة " أم القرى " لأن كل القرى تزورها.

وقرية قوم يونس اسمها " نينوى " قد حكى عنها النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الذهاب للطائف، وهي قرية العبد الصالح يونس بن متى، وهي في العراق ناحية الموصل، ويونس هو من قال عنه الله سبحانه:

وذا النون إذ ذهب مغاضبا..

[الأنبياء: 87]. وكلمة " مغاضب " غير كلمة " غاضب " ، فالغاضب هو الذي يغضب دون أن يغضبه أحد، لكن المغاضب هو من أغضبه غيره. وكذلك كلمة " هجر " ، ومهاجر، فالمهاجر هو من أجبره أناس على أن يهاجر، لكن من هجر هو من ذهب طواعية بعيدا. والمغاضبة - إذن - تكون من جهتين، وتسمى " مفاعلة ". والحق سبحانه يقول:

وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

[الأنبياء: 87]. وسمي سيدنا يونس عليه السلام بذى النون لأن اسمه اقترن بالحوت الذي ابتلعه. وكلنا نعرف القصة، حينما دعا قومه إلى الإيمان وكفروا به في البداية لأن الرسول حين يجيء إنما يجيء ليقوم الحياة الفاسدة فيضطهده من يعيشون على الفساد لأنهم يريدون الاحتفاظ بالجبروت الذي يسمح لهم بالسرقة والاختلاس وإرواء أهواء النفس، فلما فعلوا ذلك مع سيدنا يونس - عليه السلام - خرج مغاضبا، أي: أنهم أغضبوه. والمغاضبة - كما قلنا - من المفاعلة وتحتاج إلى عنصرين، مثلما أوضحنا أن الهجرة أيضا مفاعلة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة، بل ألجأه قومه إلى أن يهاجر، فكان لهم مدخل في الفعل. وأبو الطيب المتنبي يقول في هذا المعنى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٣٨