والنفسية العربية - على سبيل المثال - حين سامحت، وصبرت، وصفحت في أمر لا علاقة له بمنهج الله، بل بأمر يخص خلافا على الأرض، تجد الشاعر العربي يقول عن " بني ذهل " الذين أتعبوا قوم الشاعر كثيرا، ولكن قومه صفحوا عنهم يقول الشاعر:
صفحنا عن بني ذهل
وقلنا: القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجع
ن قوما كالذي كانوا
فلما صرح الشر
فأمسى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوا
ن دناهم كما دانوا
مشينا مشية الليث
غدا والليث غضبان
بضرب فيه توهين
وتخضيع وإقران
وطعن كفم الزق
غدا والزق ملآن
وفي الشر نجاة حي
ن لا ينجيك إحسان
وبعض الحلم عند الجه
ل للذلة إذعان
إذن: فالمناجزة بين نوح - عليه السلام - وقومه اقتضت التشديد، لعل بشريتهم تلين، ولعل جبروتهم يلين، ولعلهم يعلنون الإيمان بالله تعالى، ولكنهم لم يرتدعوا. لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح بعد ذلك: ﴿ فإن توليتم فما سألتكم من أجر... ﴾.
10.72
أي: إن توليتم عن دعوتي لعبادة الإله الحق، فأنا لا أدعوكم إلى مثيل لكم هو أنا، بل أدعوكم إلى من هو فوقي وفوقكم، فأنا لا أريد أن أستولي على السلطة الزمنية منكم، ولا أبحث عن جاه، فالجاه كله لله تعالى. والله لا يحتاج إلى جاه منكم لأن جاهه سبحانه ذاتي فيه، ولكن لنمنع جبروتكم وتجبركم لتعيشوا على ضوء المنهج الحق لتكون حياتكم صالحة، وكل ذلك لمصلحتكم. ﴿ فإن توليتم فما سألتكم من أجر.. ﴾ [يونس: 72] فهل يمالىء نوح - عليه السلام - أعداءه. إن الإنسان يمالىء العدو لأن يخاف أن يوقع به شرا، ونوح عليه السلام لا يخافهم لأنه يعتمد على الله تعالى وحده، بل هو يدلهم على مواطن القوة فيهم، وهو يعلم أن قوتهم محدودة، وأن شرهم مهما بلغ فهو غير نافذ، وقد لا يكون منهم شر على الإطلاق، فهل هناك نفع سيعود على نوح - عليه السلام - ويمنع عنه؟ لا لأنه يعلن أنه لا يأخذ أجرا على دعوته. هم - إذن - لا يقدرون على ضره، ولا يقدرون على نفعه، وهو لا يريد منهم نفعا لأن مركزه بإيمانه بالله الذي أرسله مركز قوي. وهو لا يسألهم أجرا، وكلمة " أجر " تعني: ثمن المنفعة، والأثمان تكون عادة في المعاوضات، إما أن تكون ثمنا للأعيان والذوات، وإما أن تكون ثمنا للمنفعة. ومثال ذلك: أن إنسانا يرغب في شراء " شقة " في بيت فيذهب إلى رجل يملك بيتا، ويطلب منه أن يبيع له عددا من الأسهم بقيمة الشقة. وهناك آخر يريد أن يستأجر شقة فيذهب إلى صاحب البيت ليدفع له قيمة إيجار شقة في البيت، اي: يدفع له قيمة الانتفاع بالشقة، والأجر لا يدفع إلا لطلب منفعة ملحة. وكان على نوح - عليه السلام - أن يطلب منهم أجرا لأنه يهديهم إلى الحق، هذا في أصول التقييم للأشياء لأنه يقدم لهم نفعا أساسيا، لكنه يعلن أنه لا يطلب أجرا وكأنه يقول: إن عملي كان يجب أن يكون له أجر لأن منفعته تعود عليكم، وكان من الواجب أن آخذ أجرا عليه. ولكن نوحا - عليه السلام - تنازل عن الأجر منهم لأنه أراد الأجر الأعلى، فلو أخذ منهم فلسوف يأخذ على قدر إمكاناتهم، ولكن الأجر من الله تعالى هو على قدر إمكانيات الله سبحانه وتعالى، وفارق بين إمكانات المحدود العطاء وهو البشر، ومن له قدرة عطاء لا نهاية لها وهو الله سبحانه وتعالى. وهنا يقول: ﴿ فإن توليتم.. ﴾ [يونس: 72]. فهذا التولي والإعراض لا يضرني ولا ينفعني لأنكم لا تملكون لي ضرا ولا تملكون لي نفعا لأني لن آخذ منكم أجرا.
ومن العجيب أن كل مواكب الرسل - عليهم السلام - حين يخاطبون أقوامهم يخاطبونهم بهذه العبارة:
مآ أسألكم عليه من أجر..
[ص: 86]. إلا في قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وقصة موسى عليه السلام، فعن قصة سيدنا إبراهيم يأتي قول الحق سبحانه:
واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون