تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات

[إبراهيم: 48]. إذن: فكل شيء يتبدل يوم القيامة، فإذا حدثت أن الأصنام تنطق مستنكرة أن تعبد من دون الله تعالى، وأن الملائكة تلعن من عبدوها من دون الله سبحانه، فلا تتعجب. ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ فكفى بالله شهيدا... ﴾.

10.29

إذن: فالكائنات التي عبدت من دون الله تعالى تعلن رفضها لمسألة عبادتها، فإذا كان الطير - ممثلا في الهدهد - قد أعلن من قبل اندهاشه من أن بعضا من البشر قد عبد غير الله تعالى. واستدل الهدهد - على قدرة الحق سبحانه - بما يخصه هو من الرزق، حيث يعلم أن الحق سبحانه قد علم الخبء في السماوات والأرض، إذا كان الهدهد قد عرف ذلك فالاستنكار أمر منطقي من غيره من المخلوقات، سواء أكانت من الملائكة، أو من عيسى عليه السلام، أو من الأصنام والأشجار والكواكب. ولذلك نجد الحق سبحانه يضرب المثال بسؤاله للملائكة:

أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون..

[سبأ: 40]. فيجيب الملائكة بقولهم:

سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن..

[سبأ: 41]. والحق سبحانه وتعالى يعرض هذه المواقف في سور القرآن الكريم عرضا منثورا مكررا بما لا يدع للغفلة أن تصيب الإنسان، فمثلا يقول الحق سبحانه:

ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس..

[الأنعام: 128]. ويقول على ألسنة من اتخذوا الشياطين أولياء:

وقال أوليآؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا..

[الأنعام: 128]. وقولهم هذا يتضمن الحديث عن ذواتهم والحديث عن الجن. ولسائل أن يسأل: وكيف يأخذ الجن كثيرا من الإنس؟ ونقول: إن الحق سبحانه قد خلق الجن على هيئة تختلف عن هيئة الإنس، فجعل للجن خواصا تختلف عن خواص الإنس، ومن هذه الخواص ما قال عنه الحق سبحانه:

إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم..

[الأعراف: 27]. وأعطى الحق سبحانه للجن قوة أكثر مما أعطى للإنس، وأعطاهم القدرة على النفاذ من السواتر الحديدية والجدران وغيرها، وهذا أمر منطقي مع أصل تكوين الجن، فالجن مخلوق من النار، والإنسان مخلوق من الطين. وهناك اختلاف بين طبيعة كل من النار والطين، فما يخرج من الطين قار، أي: لا يشع، وما يخرج من النار له إشعاع وحرارة. بمعنى: أنك لو كنت تجلس في حجرة، وخلف ظهرك في الحجرة الأخرى نار موقدة فالساتر - أيا كان - سوف يحمل لك بعضا من حرارة النار، إلا لو كان عازلا للحرارة. أما لو كانت هناك تفاحة - وهي مخلوقة من الطين - موجودة في الحجرة الأخرى، فلن ينفذ طعمها أو رائحتها إليك. إذن: فالنار لها قانونها، والطين له قانونه. وقانون المادة المخلوقة من الطين لا ينتقل إلا إذا نقلت الجرم إلى المكان الذي توجد فيه. ونلمح هذه المسألة التقنينية في قصة سيدنا سليمان عليه السلام حين علم أن ملكة سبأ تسير في الطريق إليه لتعلن إسلامها، وأراد سيدنا سليمان عليه السلام أن يأتي لها بعرشها من مكانه قبل أن تصل.

فقال لمن هو في مجلسه:

أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين..

[النمل: 38]. وهذا يدل على أنه كان في مجلسه أجناس مختلفة، ولكل جنس منهم قدرات مختلفة عن قدرات الجنس الآخر، ونقل العرش من اليمن إلى مكان سيدنا سليمان عليه السلام يحتاج إلى زمن وإلى قوة، فلو أنهم كانوا متساوين في قدراتهم ما قال:

أيكم يأتيني..

[النمل: 38]. فكان أول من تقدم لتنفيذ ما أراده سليمان عفريت من الجن - لا جنا عاديا، فمن الجن من هو خائب قليل الذكاء، ومنهم من هو ذكي، فهم وإن كانوا من جنس واحد فهم متفاوتون أيضا، وكان عفريت الجن هو أول من تكلم، وقال:

أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك..

[النمل: 39]. ولكن مقام سليمان قد يستمر ساعة أو بضع ساعات، والمتكلم هو عفريت من الجن الذي يعلم أن له صفات أقوى من صفات الإنس. أما الإنس العادي - ممن كان حاضرا مجلس سليمان - فلم يتكلم لأن المطلوب ليس في قدرته، أما الذي تكلم من الإنس فهو من عنده علم من الكتاب، فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٣٤