قل متاع الدنيا قليل..
[النساء: 77]. وهنا يؤكد الحق سبحانه: ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ [يونس: 23]. وقد يتمثل جزاء البغي في أن يشاء الحق سبحانه ألا يموت الظالم إلا بعد أن يرى مظلومه في خير مما أخذ منه ولذلك أقول دائما: لو علم الظالم ما ادخره الله للمظلوم من الخير لضن عليه بالظلم. وعلى فرض أن الظالم يتمتع بظلمه وهو من متاع الدنيا القليل، نجد الحق سبحانه يقول: ﴿ ثم إلينا مرجعكم.. ﴾ [يونس: 23]. وحين نرجع إلى الله تعالى فلا ظلم أبدا لأن أحدكم لن يظلم أو يظلم فكل منكم سوف يلقى ما ينبئه به الله سبحانه إن ثوابا أو عقابا مصداقا لقوله الحق: ﴿ ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ﴾ [يونس: 23]. وقد جاء الخبر عن نبأ الجزاء من قبل أن يقع ليعلم الجميع أن لكل فعل مقابلا من ثواب أو عقاب، كما أن في ذكر النبأ مقدما تقريعا لمن يظلمون أنفسهم بالبغي. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السمآء... ﴾.
10.24
والماء الذي ينزل من السماء، هو الماء الصالح للري وللسقي لأن المياه الموجودة في الوجود، هي مخازن للحياة، وغالبا ما تكون مالحة، كمياه البحار والمحيطات، وشاء الحق سبحانه ذلك، لحمايتها من العفن والفساد، ثم تتم عملية تقطير المياه بأشعة الشمس التي تحول الماء إلى بخار، ويتجمع البخار كسحاب، ثم يسقط ماء عذبا مقطرا صالحا للشرب والري. والحق سبحانه يقول هنا: ﴿ كمآء أنزلناه من السمآء فاختلط به نبات الأرض ﴾ [يونس: 24]. والاختلاط: اجتماع شيئين أو أشياء على هيئة الانفصال بحيث يمكن أن تعزل هذا عن ذاك، فإن خلطت بعضا من حبات الفول مع بعض من حبات الترمس فأنت تستطيع أن تفصل أيا منهما عن الأخرى، ولكن هناك لونا آخر من جمع الأشياء على هيئة المزج، مثلما تعصر ليمونة على ماء محلى بالسكر، وهذا ينتج عنه ذوبان كل جزيء من الليمون والسكر في جزيئات الماء. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ كمآء أنزلناه من السمآء فاختلط به نبات الأرض ﴾ وقد يفهم من ذلك أن الماء والنبات قد اختلطا معا، لكن النبات كما نعلم ككائن حي مخلوق من الماء مصداقا لقول الحق سبحانه:
وجعلنا من المآء كل شيء حي..
[الأنبياء: 30]. وهنا لا بد أن نلتفت إلى الفارق بين " باء " الخلط، و " باء " السببية فالباء هنا في هذه الآية هي باء السببية، وبذلك يكون المعنى: فاختلط بسببه نبات الأرض. وأنت ترى بعد سقوط المطر على الأرض أن المياه تغطي الأرض، ثم تجد بعد ذلك بأيام أو أسابيع، أن سطح الأرض مغطى بالزروع، وكلها مختلطة متشابكة، وكلما تشابكت الزروع مع بعضها فهذا دليل على أن الري موجود والخصوبة في هذه الأرض عالية، وهذا نتيجة تفاعل الماء مع التربة. أما إن كانت الأرض غير خصبة، فأنت تجد نبتة في منطقة من الأرض، وأخرى متباعدة عنها، وهذا ما يطلق عليه أهل الريف المصري أثناء زراعة الذرة - على سبيل المثال: " الذرة تفلس " أي: أن كل عود من أعواد الذرة يتباعد عن الآخر نتيجة عدم خصوبة الأرض. إذن: فخصوبة الأرض لها أساس هام في الإنبات والماء موجود لإذابة عناصر الغذاء للنبات، فتنتشر بها جذور النبات. وإن سمحت لك الظروف بزيارة المراكز العلمية للزراعة في " طوكيو " أو " كاليفورنيا " فلسوف ترى أنهم يزرعون النباتات على خيوط رفيعة تسقى بالماء الذي يحتوي على عناصر الغذاء اللازمة للإنبات لأنهم وجدوا أن أي نبات يأخذ من الأرض المواد اللازمة لإنباته بما لا يتجاوز خمسة في المائة من وزنه، ويأخذ من الهواء خمسة وتسعين في المائة من وزنه.
إذن: فالمطر النازل من السماء خلال الهواء هو الذي يذيب عناصر الأرض ليمتصها النبات. والحق سبحانه وتعالى هنا أراد أن يضرب لنا المثل، والمثل: هو قول شبه مضربه بمولده، أي: شيء نريد أن نمثله بشيء، ولا بد أن يكون الشيء الممثل به معلوما، والشيء المأخوذ كمثل هو الذي نريد أن نوضح صورته ولذلك لا يصح أن نمثل مجهولا بمجهول، وإنما نمثل مجهولا بمعلوم. وتجد من يقول لك: ألا تعرف فلانا؟ فتقول: لا أعرفه، فيرد عليك صاحبك: إنه مثل فلان في الشكل. وهكذا عرفت المجهول بمعلوم. وبعض من الذين يحاولون الاعتراض على القرآن، دخلوا من هذه الناحية، وقالوا: إذا كان الشيء مجهولا ونريد أن نعرف به، ألا نعرفه بمعلوم؟ فما بال الله - سبحانه وتعالى - يقول في شجرة الزقوم: