تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا يقول فعل حسن، وآخر يقول: فعل قبيح، ويحسم القرآن الأمر ويحدد الفعل الحسن فيأمر به ويحدد الفعل القبيح فينهى عنه، ويبين القرآن لنا الحلال من الحرام. إذن: فالقرآن حكم في العقائد وفي الأفعال وفي ذوات الأشياء حلا وحرمة، وهو يحكم أيضا في قضية هامة تلي قضية الحكم في قمة العقيدة، وهي صدق البلاغ عن الله، فهذا الرسول الذي يحمل البلاغ عن الله لا بد أن يكون صادقا، وقد جاء القرآن بالحكم في هذه القضية بمعنى أنه قد جاء معجزا، فإن لم تكونوا قد صدقتم بأن هذا رسول فأتوا بمثل ما جاء به هذا الرسول. فإن عجزتم فالرسول بنفسه يخبركم أن القرآن ليس من عنده، بل من عند خالقه وخالقكم. وسواء أكانت " حكيم " بمعنى " فاعل " أم بمعنى " مفعول " فقد دلتنا على أنها تعني وضع الأشياء في نصابها وضعا يحقق النفع منها دائما، ولا ينتج عنها ضارة أبدا. ثم يقول الحق بعد ذلك: ﴿ أكان للناس عجبا أن أوحينآ... ﴾.

10.2

ما هو العجيب - إذن - في أن الله أوحى إلى رجل منكم أن يبلغكم إنذار الله وبشارته؟ ما الذي تعجبتم منه؟ وما موضع العجب فيه؟ وجاء تحديد العجب فيه ما ذكرته الحيثية في آخر السورة السابقة من أنه:

رسول من أنفسكم...

[التوبة: 128]. أي: من البشر، ومن العرب، ومن قبائلكم، ومن أنفسكم ممن تعرفون كل خلقه، فما العجيب في أن يرسله الله رسولا إليكم؟ إنكم قد ائتمنتموه على أموركم من قبل أن ينزل عليه الوحي من الله، فكأنكم احترمتم طبعه الكريم، وأنكم في كثير من الأشياء قبلتم منه ما يصل إليه من أحكام. ودليل هذا أنكم حين اختلفتم في بناء الكعبة، وقالت كل قبيلة: نحن أولى بأن نضع بأيدينا أقدس شيء في الكعبة، وهو الحجر، حين ذلك اختلفت القبائل فما كان إلا أن حكموا أول داخل فشاء الله أن يكون أول داخل هو محمد بن عبد الله، فكيف يحل محمد بن عبد الله هذه المشكلة، ولم يكن قد نزل عليه وحي بعد؟ إنها الفطرة التي جعلته أهلا لاستقبال وحي الله فيما بعد، فماذا صنع لينهي هذا الخلاف؟ جاء برداء، ووضع الحجر على الرداء، ثم قال لكل قبيلة: أمسكوا بطرف من الرداء، واحملوا الحجر إلى مكانه. وتلك هي الفطرة السليمة. ورأينا أيضا سيدنا أبا بكر عندما قالوا له وهو راجع من الرحلة التي كان يقوم بها: لقد ادعى صاحبك النبوة، قال: " إن كان قد قالها فقد صدق ". من أي أحداث جاء حكم أبي بكر. أهو سمع من رسول الله كلاما معجزا؟ أسمع منه قرآنا؟ لا، بل صدقه بمجرد أن أعلن أنه رسول. فقد جربه في كل شيء ووجده صادقا، وجربه في كل شيء ووجد أنه أمين، فما كان محمد ليصدق فيما بين البشر، ليكذب على الله. وكذلك خديجة بنت خويلد حينما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتيني كذا وأخاف أن يكون كذا، فبينت له أن المقدمات التي في حياته لا توحي بأن الله يخذله ويفضحه ويسلط عليه الجن: " إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل وتنصف المظلوم، ولن يخزيك الله أبدا " وبذلك كانت السيدة خديجة أول فقيه مستنبط في الإسلام. وقوله سبحانه: ﴿ أكان للناس عجبا ﴾ يعني: التعجب من أن يصدر منهم العجب، والقرآن يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب؟ وما دام يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب؟ فمن المنطقي ألا يكونوا قد تعجبوا لأنك حين تتعجب من شيء فإما أن تتعجب منه لأنه بلغ من الحسن مبلغا فوق مستوى ما تعرف من البشر، مثلما ترى صنعة جميلة وتقول: ما أحسن هذه الصنعة، وتتساءل: ما الذي جعل هذه الصنعة جميلة إلى هذا الحد غير المتصور؟ وأنت تقول ذلك لأن الصنعة قد بلغت من الجمال مبلغا لا تصدق به أن أحدا من الموجودين في إمكانه أن يصنعها.

والمثال على ذلك: نجد من يقول: ما أحسن السماء وهو يتعجب من الشيء الذي يفوق تصوره. وقد يتعجب من شيء قبيح، ما كان يجب أن يرد على الخاطر، ولذلك يقول القرآن:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٦٤