[العنكبوت: 40]. إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال الله تعالى:
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون
[الأنفال: 33]. أي: أنه سبحانه قد أجل الجزاء والعقوبة عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الآخرة. وهذه الكلمة التي سبقت، أنه سبحانه لا يؤاخذ أمة محمد صلى الله عليه وسلم بذنوبهم في الدنيا، ولكنه يؤخر ذلك إلى يوم الجزاء. ويقضي سبحانه في ذلك اليوم بين من اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم ومن عاندوه، وبطبيعة الحال يكون الحق سبحانه في جانب من أرسله، لا من عاند رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه... ﴾.
10.20
والآية كما عرفنا هي الشيء العجيب، وإما أن تكون آية كونية، أو آية إعجاز، أو آية قرآن تشتمل على الأحكام. ولماذا لم يصدقوا آيات القرآن، وهي معجزة بالنسبة إليهم؟ نقول: إن استقبال القرآن فرع تصديق للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد حدث اللبس عندهم لأنهم ظنوا أن الآية هي الآيات المحسة الكونية المشهودة، وما علموا أن الآيات التي سبق بها الرسل إنما جاءت لتناسب أزمان رسالاتهم، ولتناسب مواقعهم من المرسل إليهم. فقد كان الرسل السابقون لرسول الله صلى الله عليه وسلم - وعلى جميع الرسل السلام - قد بعث كل منهم لأمة محدودة زمانا ومكانا ولذلك كانت الآيات التي اصطحبوها آيات حسية، وكل آية كانت من جنس ما نبغ فيه القوم المبعوث إليهم. أما رسالة محمد عليه الصلاة والسلام فهي لعامة الزمان وعامة المكان. فلو جعل الله سبحانه له آية حسية لآمن بها من شاهدها، ولصارت خبرا لمن لم يشاهدها. ونحن على سبيل المثال كمسلمين لم نصدق أن موسى - عليه السلام - قد ضرب البحر فانشق له البحر إلا لأن القرآن قال ذلك لأن كل أمر حسي يقع مرة واحدة فمن شاهده آمن به، ومن لم يره إن حدث به له أن يكذب، وله أن يصدق، ولكنا صدقنا لأن القائل هو الحق سبحانه وقد أبلغنا ذلك في القرآن. وثقتنا فيمن قال هي التي جعلتنا نصدق معجزات الرسل السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يتساءل البعض عن السر في عدم إرسال معجزات حسية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقول: لقد شاء الله سبحانه أن يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بمعجزة باقية إلى أن تقوم الساعة وهي معجزة القرآن. وتتحدث كتب السيرة أن الماء نبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، فمن صدق صدق، وإن قرأت ولم تصدق ذلك، فاعلم أنك لست المقصود بها، فقد كان المقصود بها هم المعاصرون لها، وقد جاءت لتربيب الإيمان في القوم المعاصرين لأنهم كانوا في حاجة إلى شد أزرهم الإيماني، وحدثتنا كتب السيرة أيضا عن حفنة الطعام التي أكل منها عدد كبير من الرجال، ومن صدق الرواية فليصدقها، ومن لم يصدقها، فهذه الآية لم تأت له، لكنها جاءت للمعاصرين له صلى الله عليه وسلم. وهذا لا يمنع أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم معجزات حسية كباقي إخوانه من الرسل علينا أن نؤمن بها بالثقة فيمن أخبر بها. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وإن دخلت " لولا " على جملة اسمية، فالمقصود بها عدم شيء لوجود شيء، كقول إنسان لآخر: لولا زيد عندك لأتيتك، وبذلك ينعدم ذهابه إلى فلان لوجود زيد عنده.
وهكذا تكون " لولا " حرف امتناع لوجود، وكذلك كلمة " لوما " إن وجدتها تدخل على جملة اسمية فاعرف أنها امتناع شيء، لوجود شيء وإن دخلت " لولا " على جملة فعلية فاعلم أنها حث وتحضيض. وهم هنا قد قالوا: ﴿ لولا أنزل عليه آية ﴾ وكأنهم لا يعترفون بالقرآن، وطلبوا آية حسية لذلك نجد الحق سبحانه يقول في موقع آخر بالقرآن الكريم:
لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى