10.22
وهذه الآية الكريمة جاءت مرحلة من مراحل إخبار الله سبحانه وتعالى عن المعاندين لدعوة الإسلام، التي بدأها الحق سبحانه بأنه قد رحمهم فأجل لهم استجابة دعائهم على أنفسهم بالشر، ولو أنه أجابهم إلى ما دعوا به على أنفسهم من الشر في قولهم:
إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم..
[الأنفال: 32]. لقضي أمرهم: فمن رحمة الله تعالى أنه لم يجبهم إلى دعائهم. وإذا كان الله سبحانه قد أجل استجابة دعائهم على أنفسهم بالشر رحمة بهم، فيجب أن يعرفوا أن تأجيل استجابتهم بدعاء الخير رحمة بهم أيضا لأنهم قد يدعون بالشر وهم يظنون أنهم يدعون بالخير، وبعد ذلك دلل على كذبهم في دعائهم على أنفسهم بالشر بأنهم إذا مسهم ضر دعوا الله تعالى مضطجعين وقاعدين وقائمين. فلو كانوا يحبون الشر لأنفسهم لظلوا على ما هم فيه من البلاء إلى أن يقضي الله تعالى فيهم أمرا. ثم عرض سبحانه قضية أخرى، وهي أنه سبحانه إذا مسهم بضر ليعتبروا، جاء الله سبحانه برحمته لينقذهم من هذا الضر. فياليتهم شركوا نعمة الله تعالى في الرحمة من بعد الضر، ولكنهم مروا كأن لم يدعوا الله سبحانه إلى ضر مسهم. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، يصور لنا الحق سبحانه وضعا آخر، هو وضع السير في البر والبحر، فيقول: ﴿ هو الذي يسيركم في البر والبحر.. ﴾ [يونس: 22]. وكلمة ﴿ يسيركم ﴾ تدل على أن الذي يسير هو الله، ولكن في القرآن آيات تثبت أن السير ينسب إلى البشر حين يقول:
قل سيروا في الأرض..
[النمل: 69]. وحين يقول الحق سبحانه:
فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله..
[القصص: 29]. وهو سبحانه يقول:
سيروا فيها ليالي وأياما آمنين..
[سبأ: 18]. فكأن هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد نسبت التسيير إلى الله سبحانه، وبعض الآيات الأخرى نسبت التسيير إلى النفس الإنسانية، ونقول لمن توهموا أن في ذلك تعارضا: لو أنكم فطنتم إلى تعريف الفاعل عند النحاة وكيف يرفعونه لعرفتم أن تحقق أي فعل إنما يعود إلى مشيئة الله سبحانه، فحين نقول: " نجح فلان " فهل هو الذي نجح، أم أن الذي سمح له بالنجاح غيره؟ إن الممتحن والمصحح هما من سمحا له بالنجاح تقديرا لإجاباته التي تدل على بذل المجهود في الاستذكار. وكذلك نقول: " مات فلان " ، فهل فلان فعل الموت بنفسه؟ خصوصا ونحن نعرب " مات " كفعل ماض، ونعرب كلمة فلان " فاعل " أو نقول: إن الموت قد وقع عليه واتصف به لأن تعريف الفاعل: هو الذي يفعل الفعل، أو يتصف به.
وإذا أردنا أن ننسب الأشياء إلى مباشرتها السببية قلنا: " سار الإنسان ". وإذا أردنا أن نؤرخ لسير الإنسان بالأسباب، وترحلنا به إلى الماضي لوجدنا أن الذي سيره هو الله تعالى. وكل أسباب الوجود إن نظرت إليها مباشرة وجدتها منسوبة إلى من هو فاعل لها لكنك إذا تتبعتها أسبابا وجدتها تنتسب إلى الله سبحانه. فمثلا: إذا سئلت: من صنع الكرسي؟ تجيب: النجار. وإن سألت النجار: من أين أتيت بالخشب؟ سيجيبك: من التاجر. وسيقول لك التاجر أنه استورده من بلاد الغابات، وهكذا. إذن: إذا أردت أن تسلسل كل حركة في الوجود لا بد أن تنتهي إلى الله تعالى. وحين قال الحق سبحانه:
فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله..
[القصص:29]. نفهم من ذلك أن موسى عليه السلام قد سير بأهله لأن التسيير في كل مقوماته من الله تعالى. والمثال الآخر: نحن نقرأ في القرآن قوله الحق:
وأنه هو أضحك وأبكى
[النجم: 43]. فهو سبحانه الذي خلق الضحك، وخلق البكاء. فنجد من يقول: كيف يقول الله سبحانه إنه خلق الضحك والبكاء وهو الذي يقول في القرآن:
فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا
[التوبة: 82]. ونقول: أنت إن نظرت إلى القائم بالضحك، فهو الإنسان الذي ضحك، وإن نظرت إلى من خلق غريزة الضحك في الإنسان تجده الله سبحانه. وغريزة الضحك موجودة باتفاق شامل لكل أجناس الوجود، وكذلك البكاء فلا يوجد ضحك عربي، وضحك انجليزي، ولا يوجد بكاء فرنسي، أو بكاء روسي. إذن: فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الضحك والبكاء. وقد صدق قوله الحق: