تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 17]. ونلحظ أن الحق سبحانه يؤكد في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها أنه لو شاء لآمن من في الأرض جميعا ليبين لنا أنه حتى إبليس الذي دخل في جدال مع الله، لو شاء الحق سبحانه لآمن إبليس. وجاء الحق سبحانه بهذا التأكيد ليحكم الأمر حول كل خلقه ومخلوقاته، فلا يشذ منهم أحد. ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية:

.. أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين

[يونس: 99]. أراد الحق سبحانه أن ينبه رسوله صلى الله عليه وسلم وكل المؤمنين أنه:

لا إكراه في الدين..

[البقرة: 256]. لأن مطلوبات الدين ليست هي المطلوبات الظاهرة فقط التي تقع عليها العين، فهناك مطلوبات أخرى مستترة، فهب أنك أكرهت قالبا أتستطيع أن تكره قلبا؟ والحق سبحانه وتعالى يريد قلوبا لا قوالب. وهكذا لا يصلح الإكراه في قضية الدين، ولكن على الإنسان ألا يسحب الإكراه إلى غير موضعه أو مجاله لأنك قد تجد مسلما لا يصلي فينهره صديقه، فيرد: لا إكراه في الدين. وهذا استخدام غير صحيح واستدلال خاطىء لأن الإكراه في الدين إنما يكون ممنوعا في القضية العقدية الأولى. ولكن من أعلن أنه مسلم، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فهذا إعلان بالالتزام بكل أحكام الإسلام، وهو محسوب على الإسلام، فإن أخل بحكم من أحكام الإسلام فلا بد من محاسبته. ولا إكراه في الدين، فيما يخص القضية العقدية الأولى، وأنت حر في أن تدخل إلى الإسلام أو لا تدخل، فإن دخلت الإسلام فأنت ملتزم بأحكام الإسلام لأنك آمنت به وصرت محسوبا عليه، واحفظ حدود الإسلام ولا تكسرها لأنك على سبيل المثال - لا قدر الله - إن سرقت تقطع يدك، وإن زنيت ترجم أو تجلد، وإن شربت الخمر تجلد لأنك قبلت قواعد الإسلام وشريعته. وإن رأى واحد مسلما يسرق، فلا يقولن إن الإسلام يسرق،ولكن إن رآه يعاقب، فهو يعرف أن الإسلام يعاقب من يجرم. إذن: ف

لا إكراه في الدين..

[البقرة: 256]. تخص المنع عن الإكراه على أصل الدين، ولكن بعد أن تؤمن فأنت ملتزم بفرعيات الدين، وتعاقب إن خرجت على الحدود. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:

" مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وأن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا ".

إذن: فالالتزام بفروع الدين أمر واجب ممن دخل الدين دون إكراه، وإن خدش حكما من الأحكام يعاقب. وهناك ما هو أشد من ذلك، وهو حكم من ارتد عن الإسلام، وهو القتل. وقد يقول قائل: إن هذا الإمر يمثل الوحشية. فنقول له: إن من التزم بالدين، إنما قد علم بداية أنه إن آمن ثم ارتد، فسوف يقتل ولذلك فليس له أن يدخل إلى الإسلام إلا بيقين الإيمان. وهذا الشرط للدين لا على الدين. فلا تدخل على الدين إلا وأنت متيقن أن أوامر الدين فوق شهواتك، واعلم أنك إن دخلت على الدين ثم تخليت عنه فسوف تقتل، وفي هذا تصعيب لأمر دخول الدين، فلا يدخله أحد إلا وهو واثق من يقينه الإيماني، وهذا أمر محسوب للدين لا ضد الدين. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿.. ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ﴾ [يونس: 100]. والرجس: هو العذاب، وهو الذنب، ويجعله الحق سبحانه وتعالى على الذين لا يعقلون لأن قضية الدين إذا طرحت على العقل بدون هوى لا بد أن ينتهي العقل إلى الإيمان. ولذلك تجد القمم الفكرية حين يدرسون الدين فهم يتجهون إلى الإسلام لأنه هو الدين الذي يشفي الغلة، أما الذين أخذوا الدين كميراث عن الآباء، فهم يظلون على حالهم. وبعض القمم الفكرية في العالم التي اتجهت إلى اعتناق الإسلام، لم تتجه إليه بسبب رؤيتهم لسلوك المسلمين لأن سلوك المنسوبين للإسلام في زماننا قد ابتعد عن الدين. ولذلك فقد اتجهت تلك القمم الفكرية للإسلام إلى دراسة مبادىء الإسلام، وفرقوا بين مبادىء الدين، وبين المنتمين للدين، وهذا إنصاف في البحث العقلي لأن الدين حين يجرم عملا، فليس في ذلك التجريم إذن من الدين بحدوث مثل هذا الفعل المجرم، بدليل تقدير العقاب حسب خطورة الجريمة. فالحق سبحانه قد قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٤٢