تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك يضرب الله الحق والباطل..

[الرعد: 17]. إذن: فالله سبحانه يترك للباطل مجالا، ولكن لا يسلم له الحق، بل يترك الباطل ليحفز غيرة الناس على الحق، فإن لم يغاروا على الحق غار هو عليه. وهنا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين ﴾ [يونس: 76]. ولأنهم كانوا مشهورين بالسحر ظنوا أن الآيات التي جاءت مع موسى - عليه السلام - هي السحر المبين، أي: السحر الظاهر الواضح. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ قال موسى أتقولون للحق لما جآءكم... ﴾.

10.77

وفي هذه الآية ما يوضح رد سيدنا موسى عليه السلام: ﴿ أتقولون للحق لما جآءكم أسحر هذا.. ﴾ [يونس: 77]. والذين يتوركون على القرآن يقولون: كيف يأتي القرآن ليؤكد أنهم قالوا إن هذا لسحر مبين، ثم يأتي في الآية التي بعدها ليقول إنهم قالوا متسائلين: أسحر هذا؟ وفهم هؤلاء الذين يتوركون على القرآن أن كلمة ﴿ أسحر هذا ﴾ من كلماتهم، ولكن هذا هو قول موسى عليه السلام، وكأن موسى عليه السلام قد تساءل ليعيدوا النظر في حكمهم: هل ما جاء به سحر؟ وهذا استفهام استنكاري، وأريد به أن يؤكد أن هذا ليس بسحر، ولكن جاء بصيغة التساؤل لأنه واثق أن الإجابة الأمينة ستقول: إن ما جاء به ليس سحرا. ولو جاء كلام موسى - عليه السلام - كمجرد خبر لكان يحتمل الصدق، ويحتمل الكذب، لكنه جاء بصيغة الاستفسار لأن المكذب له سيجيب بلجلجة. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - أنت حين تذهب لشراء قماش، فيقول لك البائع: إنه صوف خالص ونقي، فتمسك بعود كبريت وتشعل النار في خيط من القماش، فإن احترق الصوف كما يحترق البلاستيك أو القماش الصناعي، فأنت تقول للبائع: وهل هذا صوف نقي يا رجل؟ وهنا لن يجيب البائع إلا بالموافقة، أو بصمت العاجز عن حجب الحقيقة. إذن: أنت إن طرحت الأمر باستفهام إنكاري فهذا أبلغ من أن تقوله كخبر مجرد لأن السامع لك لا بد أن يجيب. وقول الحق سبحانه وتعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿ أتقولون للحق لما جآءكم.. ﴾ [يونس: 77]. يفيد ضرورة النظر إلى الحق مجردا عمن جاء به. ولذلك لم يقل موسى عليه السلام: أتقولون للحق لما جئناكم به: إنه سحر مبين؟ إن القول الحكيم الوارد في الآية الكريمة هو تأكيد على ضرورة النظر إلى الحق مجردا عمن جاء به. وينهي الحق سبحانه هذه الآية بقوله: ﴿.. أسحر هذا ولا يفلح الساحرون ﴾ [يونس: 77]. إذن: فسيدنا موسى - عليه السلام - قد أصدر الحكم بأن السحر لا ينفع، ولكن الآيات التي جاء بها من الحق سبحانه قد أفلحت، فقد ابتلعت عصاه - التي صارت حية - كل ما ألقوه من حبالهم وكل ما صنعوه من سحر. وأراد الحق سبحانه لعصا موسى أن تكون آية معجزة من جنس ما نبغ فيه القوم. فالله سبحانه حين يرسل معجزة إلى قوم يجعلها من جنس ما نبغوا فيه لتكون المعجزة تحديا في المجال الذي لهم به خبرة ودربة ودراية فأنت لن تتحدى رجلا لا علم له بالهندسة ليبني لك عمارة، ولكنك تتحدى مهندسا أن يبني لك هرما لأن العلوم المعاصرة لم تتوصل إلى بعض ما اكتشفه القدماء ولم يسجلوه في أوراقهم، أو لم يعثر على كشف يوضح كيف فرغوا الهواء بين كل حجر وآخر فتماسكت الحجارة.

وقول الحق سبحانه وتعالى هنا: ﴿.. ولا يفلح الساحرون ﴾ [يونس: 77]. يبين لنا أن الفلاح مأخوذ من العملية الحسية التي يقوم بها الفلاح من جهد في حرث الأرض ووضع البذور، وري الأرض وانتظار الثمرة بعد بذل كل ذلك الجهد. والفلاح أيضا مأخوذ من فلح الحديد، أي: شق الحديد، ككتل أو كقطع، ولا يصلح إلا إذا أخذ الحديد الشكل المناسب للاستعمال. وقول الحق سبحانه: ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ [يونس: 77]. هو لفت لنا أن السحر نوع من التخييل، وليس حقيقة واقعة. ولذلك قال الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥١٢