10.21
والرسول صلى الله عليه وسلم حين ضاق ذرعا بالكافرين من صناديد قريش دعا عليهم أن يهديهم الحق بسنين الجدب كالسنين التي أصابت مصر واستطاع سيدنا يوسف عليه السلام أن يدبر أمرها، فسلط الحق سبحانه على قريش الجدب والقحط، ثم جاء لهم بالرحمة من بعد ذلك. وكان من المفروض أن يرجعوا إلى الله، وأن يؤمنوا برسالة رسوله صلى الله عليه وسلم، بعد أن علموا أن ما مسهم من القحط ومن الجدب كان بسبب دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم:
" اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ".
وانتهت السنوات السبع وجاءت لهم الرحمة ممثلة في المطر، ولم يلتفتوا إلى ضرورة شكر الله والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم ظلوا يبحثون عن أسباب المطر، فمنهم من قال: لقد جاء مطرنا نتيجة لنوء كذا، ولأن الرياح هبت على مناطق كذا، وفعلوا ذلك دون التفات لانتهاء دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلهم مثل من جلس يبحث في أسباب النصر في الحرب، وجعلوا أسبابها مادية في العدة والعتاد، ولا أحد ينكر أهمية الاستعداد للقتال وجدواه، ولكن يبقى توفيق الله سبحانه وتعالى فوق كل اعتبار لأن المؤمنين بالله الذين استعدوا للقتال ودخلوا المعارك وجدوا المعجزات تتجلى بنصر الله لأن الحق سبحانه ينصر من ينصره. أما الذين يحصرون أسباب النصر في الاستعداد القتالي فقط، فالمقاتلون الذين خاضوا الحرب بعد التدريب الجاد، يعلمون أن التدريب وحده لا يصنع روح المقاتل، بل تصقل روحه رغبته في القتال ونيل الشهادة ودخول الجنة. إذن: فلمدد السماء مدخل، ومن رأى من المقاتلين آية مخالفة لنواميس الكون، فليعلم علم اليقين أن يد الله كانت فوق أيدي المؤمنين المقاتلين. ومن يدعي أن أي نصر هو نتيجة للحضارة، يجد الرد عليه من المقاتلين أنفسهم بأن الحضارة بلا إيمان هي مجرد تقدم مادة هش لا يصنع نصرا، والنصر لا يكون بالمادة وحدها، وقد أمرنا الله بحسن الاستعداد المادي، ولكن النصر يكون بالإيمان فوق المادة. ولذلك نجد من خاضوا حربنا المنتصرة في العاشر من رمضان 1393ه يعلمون أن مدد الله كان معهم بعد أن أحسنوا الاستعداد، ولا أحد من المقاتلين يصدق أن الاستعداد المادي وحده يمكن أن يكفي للنصر، إنه ضرورة، ولكن بالإيمان وحسن استخدام السلاح يكون النصر ولذلك لا يصدق المقاتلون من ينسب النصر للمادة وحدها، وينسحب عدم التصديق على كل ما يقوله من ينكر دور الإيمان في الانتصار. وهكذا نجد أن من يجرد النصر من قيمة الإيمان إنما يخدم الإيمان لأن إنكار الإيمان يقلل من قيمة الرأي المادى. وهكذا ينصر الله دينه حتى يثبته في قلوب جنده، ويقلل من قيمة ومكانة من ينكرون قيمة الإيمان.
ومثال هذا في تاريخ الإسلام أن اليهود الذين كانوا يستفتحون على أهل المدينة من الأوس والخزرج بأن رسولا سوف يظهر، وأنهم - أي: اليهود - سيتبعونه، وسوف يقتلون العرب من الأوس والخزرج قتل عاد وإرم. ولما جاء وقت ظهور محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بمكة، أسرعت الأوس والخزرج إلى الإيمان به، وقالوا: إنه النبي الذي تهددنا به يهود، فلنسبق إليه حتى لا يسبقونا. هكذا كانت كلمة اليهود هي دافع الأوس والخزرج إلى الإيمان. إذن: فالله ينصر دينه بالفاجر، رغم ظن الفاجر أنه يكيد للدين. وكذلك حين جاءت لهم الرحمة بعد القحط أرجفوا وظلوا يحللون سبب سقوط المطر بأسباب علمية محدودة بالمادة، لا بالإيمان الذي فوق المادة. ولذلك يقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾ [يونس: 21]. والمكر: هو الكلام الملتوي الذي لا يريد أن يعترف برحمة الله، والادعاء بأن نوء كذا هو السبب في سقوط المطر، وبرج كذا هو السبب في سقوط المطر. وقوله الحق: ﴿ مكر في آياتنا ﴾ والمكر هو الكيد الخفي، والمقصود به هنا محاولة الالتفاف لتجريد العجائب من صنع الله لها، وحتى العلم وقوانينه فهو هبة من الله، والحق هو القادر على أن يوقف الأسباب وأن يفعل ما يريد وأن يخرق القوانين، فهو سبحانه رب القوانين، فلا تنسبوا أي خبر إلا له سبحانه حتى لا نضل ضلال الفلاسفة الذين قالوا بأن الله موجود، وهو الذي خلق الكون وخلق النواميس لتحكم الكون بقوانين. ونقول: لو خلق الحق سبحانه القوانين والنواميس وتركها تتحكم لما شذ شيء عن تلك القوانين، فالمعجزات مع الرسل على سبيل المثال كانت خروجا عن القوانين. وأبقى الله في يده التحكم في القوانين، صحيح أنه سبحانه قد أطلقها، ولكنه ظل قيوما عليها، فيعطل القانون متى شاء ويبرزه متى شاء ويوجه كيفما شاء. والمكر كما نعلم مأخوذ من التفاف أغصان الشجرة كالضفيرة، فلا تتعرف على منبت ورقة الشجر ومن أي غصن خرجت، فقد اختلطت منابت الأوراق حتى صارت خفية عليك، وأخذ من ذلك الكيد الخفي، وأنت قد تكيد لمساويك، لكنك لن تقدر على أن تكيد لمن هو أعلى منك، فإن كنتم تمكرون فإن الله أسرع مكرا، والحق سبحانه يقول: ﴿ قل الله أسرع مكرا ﴾ ، وهذه اسمها " مشاكلة التعبير ". أي: عليك أن تأخذ ذلك في مقابله في ذات الفاعل والفعل، ولكن لا تأخذ من هذا القول اسما لله، فإياك أن تقول: إن الله - سبحانه وتعالى - ماكر لأن المكر كيد خفي تفعله أنت مع مساويك، ولكنك لن تستطيع ذلك مع من هو مطلع على كيدك، ولا تطلع أنت على ما يشاء لك.