تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب

[المسد: 1-3]. وفي هذا حكم من الله تعالى بأن أبا لهب سيموت كافرا، وهذا حكم معلن ويردد في الصلاة، ونحفظه، وأبو لهب هو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان كافرا مثل غيره من الكفار. وقد آمن من الكفار الكثير. ألم يسلم عمر؟ ألم يسلم عكرمة بن أبي جهل؟ ألم يسلم عمرو بن العاص؟ ألم يسلم خالد بن الوليد؟ فما المانع أن يسلم أبو لهب هو الآخر؟ لا، لم يسلم وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه أن ذلك لن يكون منه. وما كان من الممكن أن يمكر أبو لهب ويعلن إسلامه تكذيبا للقرآن لأن الحق علم أزلا سلوك أبي لهب. ﴿ ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجآءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين ﴾. وقوله: ﴿ كذلك ﴾ أي: مثل هذا الجزاء الذي كان للأمم السابقة التي أهلكت في القرون الماضية تجزي ممن يحدد كل شيء لأن القضايا في الكون واحدة. فالقضية الإيمانية موجودة من أول ما أرسلت الرسل إلى أن تنتهي الدنيا. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ ثم جعلناكم خلائف... ﴾.

10.14

و ﴿ خلائف ﴾: جمع خليفة، وهو من يخلف غيره. والحق سبحانه وتعالى حينما وصف الإنسان أصدر أول بيان عن الإنسان قال للملائكة:

إني جاعل في الأرض خليفة...

[البقرة: 30]. والله سبحانه وتعالى قادر، وسميع، وعليم، وله من كل صفات الكمال المطلق، وأنت قد تكون لك قدرة وقد تعدي أثر قدرتك إلى غيرك، ولكنك لن تستطيع أن تعدي قدرتك إلى سواك، فإن كنت قويا فلن تستطيع أن تهب ضعيفا قدرا من قوتك. بل كل الذي تستطيعه هو أن تهبه أثر قدرتك، فإن كان غير قادر على أن يحمل شيئا فأنت قد تحمله عنه، وإن كان غير قادر على المشي فأنت تأخذ بيده، لكنك لا تستطيع أن تهبه جزءا من قوتك الذاتية، فيظل هو عاجزا، وتظل أنت قادرا - كما أنت. هذا هو حال الخلق: تجد غنيا وآخر فقيرا، ويعطي الغني للفقير من غناه، ويعطي العالم للجاهل بعض العلم، لكنه لا يهبه ملكة العلم ليعلم. أما الحق الأعلى سبحانه فهو وحده القادر على أن يهب من قدرته المطلقة للخلق قدرة موهوبة محدودة، وقد أعطاهم سبحانه أثر القدرة العالية في الأفلاك التي صنعها ولا دخل للإنسان فيها من شمس، وقمر، ونجوم، ورياح، ومطر. وأعطى الحق سبحانه للإنسان طاقة من قدرته في الأمور التي حوله فأصبح قادرا على أن يفعل بعض الأفعال التي تتناسب مع هذه الطاقة الموهوبة. وبذلك عدى له الحق سبحانه من قدرته ليقدر على الفعل، ومن غناه ليعطي الفقير، ومن علمه ليعطي الجاهل، ومن حلمه ليحلم على الذي يؤذيه. إذن: فالخلق لا يعدون صفاتهم إلى غيرهم ولكنهم يعدون آثار صفاتهم إلى غيرهم، وتظل الصفة هنا قوة، والصفة هناك ضعفا. أما الواحد الأحد فهو الذي يستطيع أن يهب من قدرته للعاجز قدرة فيفعل. فهل كل الكون هكذا؟ إن الكون قسمان: قسم وهبة الله سبحانه وتعالى للإنسان بدون مجال له فيه. وقد أقامه الحق بقدرته، وهذا القسم من الكون مستقيم في أمره استقامة لا يتأتى لها أي خلل، مثل: نظام الأفلاك والسماء ودوران الشمس والقمر والريح وغيرها، ولا تعاني من أي عطب أو خلل، ولا يتأتى لهذا القسم فساد إلا بتدخل الإنسان. وقسم آخر في الكون تركه الحق سبحانه للإنسان حتى يقيمه بالقوة الموهوبة له من الله. وأنت لا تجد فسادا في كون الله تعالى إلا وجدت فيه للإنسان يدا، أما الأمور التي ليس للإنسان فيها يد فهي مستقيمة، ولذلك يقول الحق سبحانه:

الشمس والقمر بحسبان

[الرحمن: 5]. والمراصد تحدد موقع الأرض بين الشمس والقمر، وموقع القمر بين الأرض والشمس بدقة تتناسب مع قوله الحق: ﴿ بحسبان ﴾ لأن الإنسان ليس له دخل في هذه الأمور.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٠٤