سحروا أعين الناس..
[الأعراف: 116]. وقال الحق سبحانه أيضا:
.. فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى
[طه: 66]. إذن فالسحر هو تخييل فقط وليس تغييرا للحقيقة. ولأن معجزة موسى - عليه السلام - تحدت كل القدرات لذلك أعلن فرعون التعبئة العامة بين كل من له علاقة بالسحر، الذي هم متفوقون فيه، أو حتى من لهم شبهة معرفة بالسحر. ولأن السحر مجرد تخييل، وجدنا السحرة حين اجتمعوا وألقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقى موسى عصاه، فإذا بعصاه قد تحولت إلى حية تلقف ما صنعوا، وهنا ماذا فعل السحرة؟ يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة طه:
فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى
[طه: 70]. لأن الساحر يرى ما يفعله على حقيقته، وهم خيلوا لأعين الناس، لكنهم يرون حبالهم مجرد حبال أو عصيهم مجرد عصي. أما عصا موسى - عليه السلام - فلم تكن تخييلا، بل وجدها السحرة حية حقيقية، ولقفت بالفعل ما صنعوا ولذلك خروا ساجدين، وأعلنوا الإيمان برب موسى وهارون. هم - إذن - لم يعلنوا الإيمان بموسى وهارون، بل أعلنوا الإيمان:
برب هارون وموسى
[طه: 70]. لأنهم عرفوا بالتجربة أن ما ألقاه موسى ليس سحرا، بل هو من فعل خالق أعلى. وكان ثبات موسى - عليه السلام - في تلك اللحظة نابعا من التدريب الذي تلقاه من ربه، فقد سأله الحق سبحانه:
وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي
[طه: 17-18]. وقد أجمل موسى وفصل في الرد على الحق سبحانه إيناسا وإطالة للأنس بالله تعالى، وحين رأى أنه أطال الإيناس أوجز وقال بأدب:
ولي فيها مآرب أخرى
[طه: 18]. إذن: فقد أدركته أولا شهوة الأنس بالله تعالى، وأدرك ثانيا أدب التخاطب مع الله تعالى، ودربه الحق سبحانه على مسألة العصا حين أمره أولا أن يلقيها، فصارت أمامه حية تسعى، ولو كانت من جنس السحر لما أوجس منها خيفة ولرآها مجرد عصا. إذن: فالفرق بين معجزة موسى وسحرة فرعون، أن سحرة فرعون سحروا أعين الناس وخيل إلى الناس من سحرهم أن عصيهم وحبالهم تسعى، لكن معجزة موسى - عليه السلام - في إلقاء العصا، عرفوا هم بالتجربة أن تلك العصا قد تغيرت حقيقتها. والعصا - كما نعلم - أصلها فرع من شجرة، وكان باستطاعة الحق سبحانه وتعالى أن يجعلها تتحول إلى شجرة مثمرة، لكنها كانت ستظل نباتا. وشاء الحق سبحانه أن ينقلها إلى المرتبة الأعلى من النبات وهي المرحلة الحيوانية، فصارت حية تلقف كل ما ألقاه السحرة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا... ﴾.