وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ..
[البقرة: 170]. ثم يرد عليهم الحق سبحانه:
.. أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون
[البقرة: 170]. فإذا كانت المسألة مسألة تقليد، فلماذا يتعلم الابن؟ ولماذا لا ينام الأبناء على الأرض ولا يشترون أسرة؟ ولماذا ينجذبون إلى التطور في الأشياء والأدوات التي تسهل الحياة؟ فالتقليد هو إلغاء العقل والفكر، وفي إلغائهما إلغاء التطور والتقدم نحو الأفضل. إذن: فالقرآن يحثنا على أن نستخدم العقل لنختار بين البدائل، وإذا كان المنهج قد جاء من السماء، فلتهتد بما جاء لك ممن هو فوقك، وهذا الاهتداء المختار هو السمو نحو الحياة الفاضلة. يقول الحق سبحانه:
وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ..
[المائدة: 104] أي: أنهم أعلنوا أنهم في غير حاجة للمنهج السماوي فرد عليهم القرآن:
.. أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون
[المائدة: 104]. وهكذا نجد أن القرآن قد جاء بموقفين في آيتين مختلفتين عن المقلدين: الآية الأولى: هي التي يقول فيها الحق سبحانه وتعالى:
.. بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون
[البقرة: 170]. والآية الثانية: هي قول الحق سبحانه وتعالى:
.. حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون
[المائدة: 104]. وهم في هذه الآية أعلنوا الاكتفاء بما كان عليه آباؤهم. وهناك فارق بين الآيتين، فالعاقل غير من لا يعلم لأن العاقل قادر على الاستنباط، ولكن من لا يعلم فهو يأخذ من استنباط غيره. إذن: فالذين اكتفوا بما عند آبائهم، وقالوا:
حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ..
[المائدة: 104]. هؤلاء هم الذين غالوا في الاعتزاز بما كان عند آبائهم لذلك جاء في آبائهم القول بأنهم لا يعلمون. أي: ليس لهم فكر ولا علم على الإطلاق، بل يعيشون في ظلمات من الجهل. وهنا يقول الحق سبحانه على لسان فرعون وقومه: ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبريآء في الأرض.. ﴾ [يونس: 78]. أي: هل جئت لتصرفنا، وتحول وجوهنا أو وجهتنا أو طريقنا وتأخذنا عن وجهة آبائنا الذين نقلدهم لتأخذ أنت وأخوك الكبرياء في الأرض؟ وهكذا يتضح أنهم يعتقدون أن الكبرياء الذي لهم في الأرض قد تحقق لهم بتقليدهم آباءهم، وهم يحبون الحفاظ عليه، والأمر هنا يشمل نقطتين: الأولى: هي ترك ما وجدوا عليه الآباء. والثانية: هي الكبرياء والعظمة في الأرض. ومثال ذلك: حين يقول مقاتل لآخر: " ارم سيفك " وهي تختلف عن قوله: " هات سيفك " ، فرمي السيف تجريد من القوة، لكن أخذ السيف يعني إضافة سيف آخر إلى ما يملكه المقاتل الذي أمر بذلك. وهم هنا وجدوا في دعوة موسى عليه السلام مصيبة مركبة. الأولى: هي ترك عقيدة الآباء. والثانية: هي سلب الكبرياء، أي: السلطة الزمنية والجاه والسيادة والعظمة والائتمار، والمصالح المقضية، فكل واحد من بطانة الفرعون يأخذ حظه حسب اقترابه من الفرعون. ولذلك أعلنوا عدم الإيمان، وقالوا ما ينهي به الحق سبحانه الآية الكريمة التي نحن بصددها: ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ [يونس: 78]. أي: أن قوم فرعون والملأ أقروا بما حرصوا عليه من مكاسب الدنيا والكبرياء فيها، ورفضوا الإيمان بما جاء به موسى وهارون - عليهما السلام. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وقال فرعون ائتوني... ﴾.