تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[يوسف: 9]. أي: أن الاقتراح بقتل يوسف هدفه ألا يلتفت وجه يعقوب وقلبه إلى أحد سواهم، وأتبعوا اقتراحهم بقتل يوسف باقتراح التوبة، فقالوا لبعضهم البعض:

وتكونوا من بعده قوما صالحين

[يوسف: 9]. وهم قد ظنوا أن التوبة إن نفذوا القتل ستصبح مقبولة. وهذا الشر البادي في حديثهم لم يقبله بعضهم في بادىء الأمر لأنهم أبناء نبوة، وما يزالون هم الأسباط، لا يصعد فيهم الشر، بل ينزل، فقال واحد منهم: لا تقتلوه بل

اطرحوه أرضا..

[يوسف: 9]. أي: أنه خفف المسألة من القتل إلى الطرح أرضا، وهذه أول درجة في نزول الأخيار عن الشر الأول، وأيضا تنازلوا عن الشر الثاني، وهو طرحه أرضا حتى لا يأكله حيوان مفترس، وجاء اقتراح:

وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين

[يوسف: 10]. ثم أجمعوا أمرهم أخيرا حتى نزل الشر مرة أخرى لاحتمال ورود النجاة. إذن: فالأخيار حين يجتمعون على شر لا بد أن ينزل. ومثال ذلك: رجل طيب رأى ابنه وهو يضرب من آخر، فيفكر للحظة في أن يضرب غريم ابنه بطلقة من مسدس، ثم يستبدل هذه الفكرة بفكرة الاكتفاء بضربه ضربا مبرحا بالعصا، ثم يتنازل عن ذلك بأن يفكر في صفعه صفعتين، ثم يتنازل عن فكرة الصفع ويفكر في توبيخه، ثم يتنازل عن فكرة التوبيخ ويكتفي بالشكوى لوالده، وهكذا ينزل الشر عند أهل الخير.

أما إن كان الرجل من أهل الشر، فهو يبدأ بفكرة الشكوى لوالد من ضرب ابنه، ثم يرفضها ليصعد شره إلى فكرة أن يصفعه هو، ثم لا ترضيه فكرة الصفع، فيفكر في أن يضربه ضربا شديدا، ولا ترضيه هذه الفكرة، يقول لنفسه: " سأطلق عليه الرصاص ". وهكذا يتصاعد الشر من أهل الشر. وهنا يقول الحق سبحانه على لسان سيدنا نوح عليه السلام: ﴿ فأجمعوا أمركم وشركآءكم.. ﴾ [يونس: 71]. أي: اجتمعوا والزموا رأيا واحدا تحرصون على تنفيذه أنتم وشركاؤكم، وهو ينصحهم رغم أنهم أعداؤه، وكان عليه أن يحرص على اختلافهم، ولكن لأنه واثق من توكله على ربه فهو يعلم أنهم مهما فعلوا فلن يقدروا عليه، ولن ينتصروا على دعوته إلا بالإقدام على إهلاك أنفسهم. أو أنه مثلما يقول العامة: " أعلى ما في خيولكم اركبوه " أي: أنه يهددهم، ولا يفعل ذلك إلا إذا كان له رصيد من قوة التوكل على الله تعالى. ولا يكتفي بذلك بل يضيف: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة.. ﴾ [يونس: 71]. والغمة: منها الغمام، ومنها الإغماء، أي: فقد الوعي وستر العقل، أي: أنه قال لهم: لا تتبعوا أنفسكم بتبادل الهمسات فيما بينكم بل افعلوا ما يحلو لكم، ولا تحاولوا ستر ما سوف تفعلون. إن عليكم أن تجتمعوا على رأي واحد أنتم وشركاؤكم الذين تعتمدون عليهم، وتعبدونهم، أو شركاؤكم في الكفر، ولم يأبه نوح - عليه السلام - بتقوية العصبية المضادة له لأنه متوكل على الله فقط. لذلك يقول: ﴿ ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ﴾ [يونس: 71]. أي: أنه يحفزهم على الاجتماع على أمر واحد ومعهم شركاؤهم - سواء من الأصنام التي عبدوها أو من أقرانهم في الكفر - وأن يصمموا على المضي في تنفيذ ما اتفقوا عليه. و " قضى " أي: حكم حكما، ولكن الحكم على شيء لا يعني الاستمرار بحيث ينفذ، فقد يقضي على إنسان بحكم ويوقف التنفيذ. لكن قوله: ﴿ اقضوا إلي ﴾ يعني: أصدروا حكمكم وسيروا إلى تنفيذ ما قضيتم به. ثم يقول: ﴿ ولا تنظرون ﴾ أي: لا تمهلوني في تنفيذ ما حكمتم به علي. والمتأمل للآية الكريمة يجد فيها تحديا كبيرا، فهو أولا يطلب أن يجتمعوا على أمر واحد، هم وشركاؤهم، ثم لا يكون على هذا الأمر غمة، ثم اقضوا إلي ما اتفقتم عليه من حكم ونفذوه ولا تؤجلوه، فهل هناك تحد للخصم أكثر من ذلك؟ لقد كانوا خصوما معاندين، ظل نوح - عليه السلام - يترفق إليهم ويتحنن لهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وصبر عليهم كل هذا الوقت، ولا بد - إذن - من حدوث فاصل قوي، ولهذا كان الترقي في التحدي، فدعاهم إلى جمع الأمر ومعهم الشركاء، ثم بإصدار حكمهم عليه وعدم الإبطاء في تنفيذه، كان هذا هو التحدي الذي أخذ يترقى إلى أن وصل إلى قبول تنفيذ الحكم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٠٢