تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وها هو ذا سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه، وأرضاه - حين أحس أن الخلافة تقتضي أن يسمي من يخلفه من بعده، قال له بعض الناس: لماذا لا تولي علينا عبد الله بن عمر، فقال ابن الخطاب: بحسب آل خطاب أن يسأل منهم عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم رجل واحد. ثم أضاف: أعلم أنكم مللتم حكمي لأني شديد عليكم. إذن: فقد أحس نوح - عليه السلام - أنه انقسم هو وقومه إلى قسمين: هو قد أخذ جانب الله سبحانه الذي يدعو إلى عبادته، وهم أخذوا جانب الأصنام التي ألفوا عبادتها. لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح - عليه السلام: ﴿ فعلى الله توكلت.. ﴾ [يونس: 71]. أي: أنني لن أتنازل عن دعوتي، ونلحظ أنك إن قلت: " توكلت على الله " فقد يعني هذا أنك قد تقول: وعلى فلان، وفلان، وفلان، لكنك إن قلت: ﴿ فعلى الله توكلت.. ﴾ [يونس: 71]. فأنت قد قصرت توكلك على الله فقط. وهكذا واجه نوح - عليه السلام - قومه، ورصيده في ذلك هو الاعتماد والتوكل على من أرسله سبحانه، ويحاول أن يهديهم، لكنهم لم يستجيبوا، وقال لهم: ﴿ فأجمعوا أمركم وشركآءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة.. ﴾ [يونس: 71]. ومعنى جمع الأمر: أي: جمع شتات الآراء كلها في رأي واحد، أي: اتفقوا يا قوم على رأي واحد، وأنتم لن تضروني. وجمع أمر الأجيال التي ظل سيدنا نوح - عليه السلام - يحاول هدايتها تحتاج إلى جهد لأن الجيل العقلي ينقسم إلى عشرين سنة. وقد ظل سيدنا نوح - عليه السلام - يدعو القوم بعدد ما عاش فيهم، أي: ألف سنة إلى خمسين، فكم جيل - إذن - ظل نوح يعالجه؟ إنها أجيال متعددة، ومع ذلك لم يظفر إلا بقدر قليل من المؤمنين بحمل سفينة واحدة، ومعهم الحيوانات أيضا، فضلا عن أن ابنه خرج - أيضا - مع القوم الكافرين، وناداه نوح - عليه السلام - ليركب معه وأن يؤمن، فرفض، وآثر أن يظل في جانب الكفر، بما فيه من فناء للقوم الكافرين، وظن أنه قادر على أن يأوي إلى جبل يعصمه من الطوفان، ولم ينظر ابن نوح إلى جندي آخر من جنود الله سبحانه يقف عقبة في سبيل الوصول إلى الجبل، وهو الموج. إذن: فقول نوح عليه السلام: ﴿ فعلى الله توكلت.. ﴾ [يونس: 71]. له رصيد إيماني ضمني، فلا يوجد مجير على الله من خلق الله لأن الخلق كله - جماده ونباته وحيوانه - إنما ينصاع لأمر الله تعالى في نصرة نوح - عليه السلام - ولن يتخلف شيء.

هكذا كان توكل نوح - عليه السلام - على الله تعالى بما في هذا التوكل من الرصيد الإيماني المتمثل في:

لله ملك السماوات والأرض..

[المائدة: 120]. و

لله ما في السماوات وما في الأرض..

[البقرة: 284]. ولن يخرج شيء عن ملكه سبحانه. ومن العجيب أنه لم يخرج عن مراد الله في " كن " إلا الإنسان المختار، لم يخرج بطبيعة تكوينه، ولكن الحق سبحانه وهبه من عنده أن يكون مختارا، ولو لم يهبه الله تعالى أن يكون مختارا لما استطاع أن يقف، ولكان كل البشر من جنود الحق. وقد قال نوح - عليه السلام: ﴿ فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركآءكم.. ﴾ [يونس: 71]. والإنسان حين يهمه أمر من الأمور يظل مترددا بين خواطر شتى، ويحاول أن يرى ميزات كل خاطر، ويختار أفضلها، وإذا ما جمع الإنسان خواطره كلها من خاطر واحد، فهذا يعني استقراره على رأي واحد، وجمع أمره عليه. أما إذا كان الأمر متعدد الناس، فكل واحد منهم له رأي، فإن اجتمعوا وقرروا الاتفاق على رأي واحد، فهذا جمع للأمر. والاتفاق على رأي واحد إنما يختلف باختلاف هوية المجتمعين، فإن كانوا أهل خير فهم ينزلون بالشر، وإن كانوا أهل شر فهم يصعدون بالشر. ومثال ذلك: أبناء يعقوب - عليه السلام - حينما حدث بينهم وبين أخيهم من الحسد لمكانة يوسف - عليه السلام - فقالوا:

اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٠١