لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن..
[الحجرات: 11]. إذن: فالقوم هم الرجال، والمرأة إنما يبنى أمرها على السر، والحركة في الدنيا للرجل، وقد شرحنا ذلك في حديث الحق سبحانه لآدم - عليه السلام - عن إبليس، فقال تعالى:
إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى
[طه: 117]. ولأن الخطاب لآدم فقد قال الحق سبحانه:
فتشقى
[طه: 117]. ولم يقل: فتشقيا مما يدل على أن المرأة لا شأن لها بالأعمال التي خارج البيت والتي تتطلب مشقة، فالمرأة تقر في البيت لتحتضن الأبناء، وتهيىء السكن للرجل بما فيها من حنان وعاطفة وقرار واستقرار. أما القيام والحركة فللرجل. والحق سبحانه يقول:
فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى
[طه: 117]. إذن: فالكدح للرجل ومتطلبه القيام لا القعود. ثم يقول الحق سبحانه على لسان نوح - عليه السلام: ﴿ يقوم إن كان كبر عليكم مقامي.. ﴾ [يونس: 71]. وهنا يحنن نوح قومه بإضافات التحنن، أي: جاء بالإضافة التي تشعر المخاطبين بأنه منهم وهم منه، وأنه لا يمكن أن يغشهم فهم أهله، مثل قول النائب الذي يخطب في أهل دائرته الانتخابية: " أهلي وعشيرتي وناخبي " وكلها اسمها إضافة تحنن.
وكذلك مثل قول لقمان لابنه:
يبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13]. وقوله:
يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير
[لقمان: 16]. وقوله:
يبني أقم الصلاة..
[لقمان: 17]. وهذا إضافات التحنن وفيها إيناس للسامع أن يقرب ويستجيب للحق. ﴿ يقوم إن كان كبر عليكم مقامي.. ﴾ [يونس: 71]. و " الكاف والياء والراء " تأتي لمعنيين: الأول: كبر السن، وهي: كبر يكبر. والثاني: العظمة والتعظيم، إلا أن التعظيم يأتي ليبين أنه أمر صعب على النفس، مثل قول الحق سبحانه:
.. كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا
[الكهف: 5]. أي: أن هذه الكلمة التي خرجت من أقوالهم أمر صعب وشاق، وهي قولهم:
.. قالوا اتخذ الله ولدا
[الكهف: 4]. وهذه الكلمة إنما تعظم على المؤمن، وهي مسألة صعبة لا يمكن قبولها فلا يوجد مؤمن قادر على أن يقبل ادعاء خلق من خلق الله تعالى أن له سبحانه ولدا. ومرة تكون العظمة من جهة أخرى، مثل قول الحق سبحانه:
كبر على المشركين ما تدعوهم إليه..
[الشورى: 13]. أي: عظم على المشركين، وصعب على أنفسهم، وشق عليهم ما تدعوهم إليه من أن الإله هو واحد أحد، ولا سلطان إلا له سبحانه. وهكذا، إن كانت الكلمة مناقضة للإيمان فهي تكبر عند المؤمنين، وإن كانت الكلمة تدعو الكافرين إلى الإيمان فهي تشق عليهم. وهنا يأتي على لسان سيدنا نوح عليه السلام: ﴿ إن كان كبر عليكم مقامي.. ﴾ [يونس: 71]. ونحن نعلم أن سيدنا نوحا - عليه السلام - مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. أي: أن حياته طالت كثيرا بين قومه، كما أن تقريعه للكافرين جعله ثقيلا عليهم. أو أن: ﴿ كبر عليكم مقامي.. ﴾ [يونس: 71]. تعني: أنه حملهم ما لا يطيقون لأن نوحا - عليه السلام - أراد أن يخرجهم عما ألفوا من عبادة الأصنام، فشق عليهم ذلك. إذن: فمبدأ عبادة الإله الواحد يصعب عليهم. أو أن الأصل في الواعظ أو المبلغ أن يكون على مستوى القيام وهم قعود، وكان سيدنا عيسى عليه السلام يتكلم مع الحواريين وهو واقف، والوقوف إشعار بأن مجهود الهدى يقع على سيدنا عيسى - عليه السلام - بينما يقعد الحواريون ليستمعوا له في راحة. إذن: فقول الحق سبحانه: ﴿ إن كان كبر عليكم مقامي.. ﴾ [يونس: 71]. أي: إن صعب عليكم ما أدعوكم إليه. ويصح أن نأخذها من ناحية طول الوعظ والتكرار في ألف سنة إلا خمسين عاما، أو أن مقامي كبر عليكم، بمعنى: أننا انقسمنا إلى قسمين لأن المنهج الذي أدعو إليه لا يعجبكم، وكنت أحب أن نكون قسما واحدا.