تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. } [يونس: 67]. وكان مقتضى الكلام أن يقول: جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتتحركوا. وشاء سبحانه أن يأتي هنا بالأداء القرآني المعجز فقال: ﴿ والنهار مبصرا ﴾. فهل النهار هو الذي يبصر أم نحن؟ هل النهار مبصر أم مبصر فيه؟ وقديما لم يكونوا قد وصلوا إلى الحقيقة العلمية التي وصلنا إليها الآن، فقد كانوا يعتقدون أن الضوء يخرج من العين إلى المرئي فتراه، إلى أن جاء " الحسن بن الهيثم " العالم العربي المسلم، وأوضح بالتجربة أن الضوء إنما ينعكس من المرئي إلى العين، بدليل أن المرئي إن كان في النور وأنت في الظلام، فأنت تراه وإذا كان الأمر بالعكس فأنت لا تراه. إذن: فقد سبق القرآن كل النظريات، وبين لنا أن النهار إنما يأتي بالضوء فينعكس الضوء من الكائنات والموجودات إلى العين فتراه. إذن: فالنهار هو المبصر لأنه جاء بالضوء اللازم لانعكاس هذا الضوء من المرائي إلى العيون. ونحن نجد القرآن حين يتعرض لليل والنهار يقول:

ومن آياته اليل والنهار..

[فصلت: 37]. ويقول:

وجعلنا اليل والنهار آيتين فمحونآ آية اليل وجعلنآ آية النهار مبصرة..

[الإسراء: 12]. وهي مبصرة كما أثبت الحسن بن الهيثم العالم المسلم، وإن كانت في ظاهر الامر مبصر فيها. ويعطي لنا الحق سبحانه تجربة حية مع موسى عليه السلام، وذلك في قوله سبحانه لموسى - عليه السلام:

وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى * قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى

[طه: 17-20]. وشاء الحق سبحانه ذلك ليتعرف موسى بالتجربة على ما سوف يحدث من عصاه أمام فرعون، ثم أمام السحرة، ثقة منه سبحانه أن موسى حين يراها تنقلب إلى حية أمام عينيه لأول وهلة سوف يفزع فيطمئنه الحق سبحانه بقوله:

.. خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى

[طه: 21]. وكانت المرة الأولى لتحول العصا إلى حية، هي تجربة للاستعداد حتى لا يجزع موسى - عليه السلام - أو يخاف لحظة أن يمر بالتجربة العملية، وحتى يقبل على تقديم المعجزة وهو واثق تمام الثقة أمام فرعون. ثم قال الحق سبحانه لموسى - عليه السلام:

وأدخل يدك في جيبك..

[النمل: 12]. والجيب: هو المكان الذي تنفذ منه الرقبة في الجلباب ويسمى القبة، فلا يظن أحد أن الجيب المقصود هنا هو مكان وضع النقود لأن مكان وضع النقود قديما كان يوجد من داخل الجلباب، مثل جيب الصديري الذي يرتديه أهل الريف، وقد سمي الجيب الذي نضع فيه النقود جيبا لأن اليد لا تذهب إلى الجيب إلا إذا دخلت في الفتحة التي تخرج منها الرقبة. وقد قال الحق سبحانه لموسى - عليه السلام:

وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء..

[النمل: 12]. ويخبره الحق سبحانه:

في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين * فلما جآءتهم آياتنا مبصرة..

[النمل: 12-13]. هكذا كانت الآيات مبصرة وكأنها تقول للعين: أبصريني. وهنا في الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - يقول الحق سبحانه: ﴿ هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا.. ﴾ [يونس: 67]. ولم يقل: لتتحركوا فيه، بل جاء بما يضمن سلامة الحركة، فقال سبحانه: ﴿ مبصرا ﴾ لأن الضوء الذي ينعكس على الأشياء هو الذي يحفظ للإنسان سلامة الحركة. ولكن البعض من الناس في زماننا يستخدمون نعمة الكهرباء في الإسراف في السهر، وحين يأتي الليل يسهرون حتى الصباح أمام جهاز التلفزيون أو الفيديو أو في غير ذلك من أمور الترفيه، ثم ينامون في النهار، وينسون أن الليل للرقود، والنهار للعمل. وقد ثبت أن للضوء أثرا على الأجسام، فالضوء يؤثر في الكائن الحي، وقد سبق النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الاكتشاف بزمان طويل وقال: " أطفئوا المصابيح إذا رقدتم " وذلك حتى لا ينشغل الجسم بإشعاعات الضوء التي تتسبب في تفاعلات كيماوية في الجسم. لذلك أقول دائما: خذوا الحضارة بقواعد التحضير لها لأننا يجب أن نتيح للفلاح أن يذهب إلى حقله والعامل إلى مصنعه لأن السهر ضار، وإذا ادعى الإنسان أنه هو الذي تحضر، فليحترم قيمة العمل الذي يصنع الحضارة لأن الآلة التي يسهر لمراقبتها ومشاهدتها هي إنتاج أناس يلتزمون بقواعد الحضارة واحترام قيمة العمل في النهار، وقيمة الترفيه في الوقت المخصص. نحن نسيء استخدام أدوات الحضارة، فالزمن الذي وفرته الثلاجة للزوجة حتى لا تقف في المطبخ نصف النهار لتعد الطعام، وصارت تطهو وجبات ثلاثة أيام وتحفظها في الثلاجة، وتستخدم الغسالة الكهربائية فتنهي الغسيل في ساعة من الزمن، لكن بقية الوقت يضيع أمام التلفزيون ولا تلتفت إلى تربية الأبناء. وهكذا يسيء البعض استخدام الآلات المتحضرة، وفي هذه الإساءة نوع من التخلف، فإذا أخذنا الحضارة بمنطقية فهذا هو التحضر. وعلى سبيل المثال: أقول لمن يركب سيارة: إياك أن تسرع بها في طريق متربة حتى لا يثور الغبار ويملأ صدور الناس بالحساسية. وإياك أن تهمل صيانة سيارتك حتى لا يفسد الموتور ويخرج العادم الضار بصحة الناس والبيئة، فلا يسافر الإنسان في الطريق المتربة أو بسيارة غير جيدة الصيانة فيصيب صدور الناس بالمرض، ويصيب الزروع ويفسد الهواء. ويجب ألا نأخذ الحضارة بتلصص، إنما علينا أن نرتقي إلى مدارجها بصيانة أساليبها لأن من لا يأخذ الحضارة بقواعدها هو من يتخلف رغم تقدم الآلة، فتصير الآلة أكثر تحضرا منه. إذن: فإن أخذنا كل أمر بمهمته فحن نحقق الراحة لأنفسنا ولغيرنا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٩٢