ولذلك قلنا في تفسير قول الحق سبحانه:
واليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى
[الليل: 1-2]. وإن بدا للإنسان أن هناك تعارضا بين غشيان الليل أي: تغطيته للمرئيات وتجلى النهار أي: كشف المرئيات فهذا ليس تعارضا، بل هو التكامل لأن حركة النهار تتولد من الليل، وراحة الليل تتولد من النهار. ثم يقول الحق سبحانه:
وما خلق الذكر والأنثى
[الليل: 3]. وهذا الخلق للذكر والأنثى هو للتكامل، لا للتناقض، هكذا جاء الحق سبحانه بنوعين: الأول: هو الزمن ليلا ونهارا. والثاني: هو الإنسان ذكرا وأنثى. ويقول الحق سبحانه:
إن سعيكم لشتى
[الليل: 4]. أي: أن حركتكم هي الموصلة إلى غايتكم، والحركات شتى أي: مختلفة، سواء في الليل أو النهار أو للذكر أو للأنثى، فإن خلطنا الحركة وعبثنا بأنظمة الحياة، فالحياة ترتبك، ونعاني من مرارة التجربة إلى أن تتعقد الأمور، فنبحث لها عن حلول. وقد نادينا أن تعمل المرأة نصف الوقت لتعطي البيت بعضا من الوقت، أو أن تعتني بالبيت إن كان لها ما يكفيها من دخل، أو كان لزوجها ما يكفي لحياة الأسرة، ولكن أحدا لم يلتفت إلى ذلك إلا بعد مرارة التجارب. وهناك مثال آخر: في قول البعض أن الليل في تلك البلاد المتحضرة لا ينتهي وأنت تجد السهر هناك حتى الصباح، وعندما أسمع مثل هذا القول أقول: إن هذا ليس في مصلحة سكان تلك البلاد لأن الليل يجب أن يكون سباتا لتأتي الحركة المنتجة في النهار. إذن: فالآفة أن تنقل مهمة نوع إلى مهمة نوع آخر، سواء أكان في الزمان أو في الإنسان، واقرأ جيدا قول الحق سبحانه:
إن سعيكم لشتى
[الليل: 4]. فكل فرد من أفراد الكون له مهمة وله سعي يختلف عن سعي الآخرين. وهنا في الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - ينهي الحق سبحانه الآية فيقول: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ [يونس: 67]. ولقائل أن يقول: لم يقل " إن في ذلك لآيات لقوم يبصرون ". ونقول: لننتبه إلى أن الحق سبحانه حين يتكلم عن زمان فهو يبين في هذا الزمان مهمته، وهو القائل في صدر الآية ووسطها: ﴿ جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا.. ﴾ [يونس: 67]. فالعلة في هذه الآية هي سكون الليل، لا حركة النهار، والعين في الليل لا تؤدي مهمتها، بل السمع هو الذي يؤدي مهمته. والحق سبحانه هو القائل:
قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضيآء أفلا تسمعون
[القصص: 71]. أي: أن أحدا لن يستطيع الحركة في مثل هذا الليل السرمدي ولا أحد سيتبين شيئا. والحق سبحانه هو القائل:
قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون
[القصص: 72]. إذن: فقد جاء الحق سبحانه في آية الليل بالسمع، وجاء في آية النهار بالأبصار، وبعد أن تكلم الله سبحانه عن مجال الحركة بالنهار والراحة في الليل، يأتي الكلام عن الينبوع الذي يجب أن تصدر عنه الحركة أو السكون، وهو ضرورة الامتثال لأمر إله واحد حتى لا تصطدم حركتك بأمر إله آخر يقول ما يناقض حركة الإله الأول. وكما تتحرك في النهار، وترتاح في الليل لا بد أن تكون حركتك صادرة عن أمر واحد، هذا الأمر الواحد صادر من الآمر الواحد، وهو الله تعالى الذي تعبده بلا شريك، ومن يقول بغير ذلك إنما يربك حركة الحياة. والله سبحانه يقول:
إذا لذهب كل إله بما خلق..
[المؤمنون: 91]. ولذلك يقول الله سبحانه بعد ذلك: ﴿ قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه... ﴾.