" مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين ".
والذي يأمر هنا الابن بالصلاة هو الأب، وهو أيضا الذي يعاقب على ترك الصلاة، وهو الذي يثيب ابنه إن أراد أن يجعل الصلاة محبوبة للابن، وأن يجعل للابن أنسا بالعبادة. وحين يكلف الأب ابنه بالصلاة، فالابن يطيع لأن الأب هو الذي يقضي حاجات الابن، ويحقق له مصالحه، والابن يعلم أن والده لن يكلفه إلا بما يحقق تلك المصالح، وهو يفعل ذلك لأنه يحبه لذلك جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر والنهي من النافع للابن لتوجد حيثية قبول في النفس. وما إن يأت البلوغ فيكون التكليف من الله والأمر من الله، والثواب والعقاب منه سبحانه. إذن: فالأمر والنهي قبل البلوغ يأتيان من الأب ليتعود الإنسان استقبال الأمر والنهي من ربه ورب أبيه. وإذا كانت الحياة والسير فيها على ضوء منهج الله تعالى يقتضي حركة في " افعل " و " لا تفعل " فلا بد أن يحتاج الإنسان إلى راحة من الحركة، لذلك يبين لنا الله سبحانه أنه جعل في " اليوم " ليلا ونهارا، ولكل مهمة، فإياك أن تضع مهمة شيء مكان شيء آخر حتى لا ترتبك الأمور، ولكن الظروف قد تضطرك إلى ذلك، فهناك من يسهر للحراسة، وهناك من يسهر للعمل في المخابز، أو إعداد طعام الإفطار للناس ولذلك فهناك احتياط قدري، فقال الحق سبحانه في آية ثانية:
ومن آياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم من فضله..
[الروم: 23]. لأن الحق سبحانه قد علم أزلا أن هناك مصالح لا يمكن إلا أن تكون ليلا، فالذي يعمل ليلا يرتاح نهارا، ولو أن الآية جاءت عمومية لقلنا لمن ينام بالنهار: لا، ليس هذا وقت السكن والراحة. ولكن شاء الحق سبحانه أن يضع الاحتياطي القدري ليرتاح من يتصل عمله بالليل. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه.. ﴾ [يونس: 67]. ونحن نعلم أن هناك فارقا بين " الخلق " ، و " الجعل " ، و " الملك " ، والمثال على الخلق: أنه سبحانه خلق الزمن، ثم جاء لهذا الزمن ليجعل منه ليلا ونهارا. إذن: فالجعل هو توجيه شيء مخلوق لمهمة. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - وهو منزه عن أي تشبيه أو مثل: تجد صانع الفخار وهو يمسك بالطين ليجعل منه إبريقا، فهو يصنع الطين أولا بأن يخلط الماء بالتراب ويعجنهما معا، ثم يجعل من الطين إبريقا أو أصص زرع أو زهرية ورد، وهو بذلك إنما يحول مخلوقا إلى شيء له مهمة. والزمن كله لله سبحانه، جعل منه قسم الليل، وقسم النهار، مثلما خلق الإنسان، ووجه جزءا منه ليجعله سمعا، وجزءا آخر ليجعله بصرا، وجزءا آخر ليصير مخا، وجزءا آخر ليكون رئة، كل ذلك مأخوذ مما خلقه الحق سبحانه. أي: أنه سبحانه جعل أشياء مما خلق أصلا لتؤدي مهمة للمخلوق. وفي حياتنا - ولله المثل الأعلى - نجد من يغزل من القطن خيوطا، وهناك من ينسج من تلك الخيوط قماشا، وبعد ذلك نجد من يأخذ هذا القماش ليجعل منه جلبابا أو بنطلونا أو قميصا أو لحافا. إذن: فالجعل هو أخذ من شيء مخلوق لمهمة. والخلق قد يترتب عليه ملك، والجعل أيضا قد يترتب عليه ملك فمن عمل قدرا من الطين هو مالكه، ومن جعل من الطين إبريقا إنما يملكه. وهكذا نجد الخلق والجعل قد يترتب عليهما ملكية ما، لكن الملكية المنسحبة بعد الخلق والجعل تجعلك تنتفع بالأشياء وقد لا تملكها لذلك نجد قول الحق سحبانه:
أمن يملك السمع والأبصار..
[يونس: 31]. والحق سبحانه خلق لنا الأنعام، وذللها لنا، وملكها لنا، وإذا قال الحق سبحانه: " ملك " فملكيته سبحانه لا تنتهي لأحد أبدا سواء من الخلق أو الجعل، بل يظل مملوكا ولذلك قلنا: إن نقل الأعضاء هو تحكم فيما لا يملكه المخلوق، بل يملكه الخالق سبحانه وتعالى. يذكر الحق سبحانه الليل والنهار فيقول: { هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا.