تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهاتوا واحدا من الذين تتبعونهم وتدعون لهم يكون له منهج، ولن يستطعيوا ذلك، ولاحق سبحانه هو القائل:

قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا

[الإسراء: 42]. أي: أننا لو افترضنا أن هناك آلهة ولها مظهر قوة كالشمس التي تضيء والقمر الذي ينير، والمطر الذي ينزل من السماء، والملائكة التي تدبر الأمر، لو صدقنا أن كل هؤلاء آلهة، فهم سيبحثون عن الإله الواحد الأحد ليأخذوا منه القوة التي ظننتم أنها لهم. ولذلك يقول الحق سبحانه:

وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون

[المؤمنون: 91]. إذ لو كان هذا الأمر صحيحا لكانت هناك ولايات إلهية. ولذلك قال الحق سبحانه:

أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة..

[الإسراء: 57]. وهم قالوا إنهم يعبدون الملائكة، وعليهم أن يعلموا أن الملائكة نفسها تعبد الله سبحانه وتعالى، وما دام لا يوجد شركاء لله لتتبعوهم إذن: فأنتم تتبعون الظن. لذلك جاء قول الحق سبحانه: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ [يونس: 66]. ونحن نجد الذين أولعوا بأن يوجدوا في القرآن ظاهر تعارض ليشككوا فيه، قالوا: إن هذه الآية مثال على ذلك فيقولون: في بداية الآية يقول: ﴿ وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء.. ﴾ [يونس: 66]. فينفي أن المشركين يتبعون شركاء لله، ثم يأتي في آخر الآية فيقول إنهم يتبعون الظن والخرص، ففي أولها ينفي الاتباع، وفي آخرها يثبته. وهذا جهل ممن قال بهذا وادعى أن هناك تناقضا في الآية، فالله سبحانه ينفي أن يكون ما يدعوه هؤلاء المشركون شركاء لله في ملكه، فلله من في السماوات ومن في الأرض، ولكنه يثبت أنهم يتبعون الظن والخرص والتخمين. ونقول: ما هو الظن؟ وما هو الخرص؟ إن الظن حكم بالراجح كما أوضحنا من قبل في النسب من أن هناك نسبة إن لم تكن موجودة فهي مشكوك فيها، أو نسبة راجحة، أو أن نسبة يتساوى فيها الشك مع الإثبات، فإن كان الشك مساويا للإثبات فهذا هو الشك. وإن رجحت، فهذا هو الظن. أما المرجوح فنسميه وهما. الظن - إذن - حكم بالراجح. والخرص: هو التخمين، والقول بلا قاعدة أو دليل. والحق سبحانه يقول هنا: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ [يونس: 66]. والقرآن حين يوجه خطابا فهو يأتي بالخطاب المستوعب لكل ممكن، وهو سبحانه حكم عليهم هنا أنهم يتبعون الظن والخرص. ونحن نعلم أن الكافرين قسمان: قسم يعلم حقيقة الشيء، ولكنه يغير الحقيقة إلى إفك وإلى خرص، وقسم آخر لا يعرف حقيقة الشيء، بل يستمع إلى من يعتقد أنه يعرف. إذن: فهناك متبع - بكسر الباء - وهناك متبع - بفتح الباء - المتبع - بفتح الباء - يعلم أن ما يقوله هو كلام ملتو، يشوه الحقيقة ويزينها، أما المتبع - بكسر الباء - فيظن أنه يتبع أناسا عاقلين أمناء فأخذ كلامهم بتصديق.

إذن: فالمتبع بكسر الباء يكون الظن من ناحيته، أما المتبع بفتح الباء فيكون الخرص والكذب والافتراء من ناحيته ولذلك يقول لنا الحق سبحانه:

ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون

[البقرة: 78]. هؤلاء - إذن - يصدقون ما يقال لهم لأنهم أميون، والكلام الذي يقال لهم راجح، وهم لو فكروا بعقولهم لما انتهوا إلى أنه كلام راجح. أما الآخرون فيقول فيهم الحق سبحانه:

فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا..

[البقرة: 79]. وهؤلاء هم الذين يأتي منهم الخرص والإفك وقول الزور والبهتان. إذن: فالكفار إن كانوا من الأميين فهم من أهل الظن، وينطبق عليهم قول الحق سبحانه: ﴿ إن يتبعون إلا الظن.. ﴾ [يونس: 66]. وإن كانوا من القادة والرؤساء فهؤلاء هم من ينطبق عليهم قول الحق سبحانه: ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ [يونس: 66]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٨٩