تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم..

[الروم: 22]. فليس عند الله تعالى قالب يضع فيه الخلق، بل سبحانه يخلق الطويل والقصير والسمين والرفيع والأشقر والزنجي، وهذا بعض من طلاقة قدرته سبحانه، وبرحمته سبحانه قرب من خلقه الذين آمنوا أولا، وقربه سبحانه منهم:

يخرجهم من الظلمات إلى النور..

[البقرة: 257]. فمن يتبع المنهج يأخذ النور، فإذا علم الله سبحانه عمله بمنهجه فهو سبحانه يقربه قربا أكثر فيعطيه هبة اصطفائية يراها الذين حوله وقد يقتدون به. والحق سبحانه يريد من المؤمن الأدب مع خلق الله، فإذا علم سيئة عن إنسان فعليه أن يسترها، لأن الحق سبحانه يحب الستر ويحب من يستر. وأنت قد تكره إنسانا تعلم عنه سيئة ما، وقد تكره كل حسنة من حسناته، فيريد الله ألا يحرمك من حسنات من له سيئة فيسترها عنك لتأخذ بعضا من حسناته، ويأمرك الحق ألا تحتقر هذا المسيء لأنه قد يتمتع بخصلة خير واحدة، فيكرمه الله سبحانه من أجلها أولا، ثم يطيعه هذا العبد ثانيا. والحق سبحانه يقول في الحديث القدسي:

" يا ابن آدم أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا ".

ويقول الله سبحانه في حديث قدسي:

" أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ".

وفي هذا القول يضع مسئولية القرب من الله في يد الخلق، ويضيف الحق سبحانه:

" وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ".

ومن يريد أن يأتيه الله هرولة فليذهب إلى الله ماشيا. إذن: فالإيمان بالله يسلم المؤمن مفتاح القرب من الله. ومن يكن من أصحاب الخلق الملتزمين بالمنهج يقربه الله منه أكثر وأكثر. إذن: فمن الناس من يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، ويدق على باب الحق، فينفتح له الباب، ومن الناس من يصل بكرامة الله أولا إلى طاعة الله ثانيا. ولله المثل الأعلى: أنت كواحد من البشر قد يدق بابك إنسان يحتاج إلى لقمة أو صدقة فتعطيه، وهناك إنسان آخر تحب أنت أن تعطيه، وعندما تعطيه يطيعك من منطلق الإحسان إليه، فما بالنا بعطاء الحق لعباده؟ إذن: فمنهم من يصل بكرامة الله إلى طاعة الله، ومنهم من يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، وحين يصل الإنسان إلى القرب من الله، ويقرب الله من العبد، هنا يكون العبد في معية الله، وتفيض عليه هذه المعية كثيرا. وقد قال أبو العلاء المعري لمحبوبته:

أنت الحبيب ولكني أعوذ به

من أن أكون حبيبا غير محبوب

أي: أنه يستعيذ بالله من أن يكون محبا لمن يرفض حبه، ولكن محبة الله تختلف عن محبة البشر، وسبحانه لا يعامل محبيه كذلك، فأنت حين تحب الله يقربك أكثر وأكثر، ويسمى ذلك " المصافاة " ، فإذا أفاض الله سبحانه على بعض خلقه هبات من الكرامات فعلى العباد الذين اختصهم الحق سبحانه بذلك أن يحسنوا الأدب مع الله، وألا يتبجح واحد منهم متفاخرا بعطاء الله سبحانه له. فالمباهاة بالكرامات تضيعها، ويسلبها الحق سبحانه من الذي يتبجح بها ويتفاخر ويتباهى، فمن تظاهر بالكرامة ليس له كرامة. إذن: فالحق سبحانه يريد أن يكون العبد دائما في معيته، وهو سبحانه الذي بدأ وبين بالآية الواضحة أنه سبحانه ولي المؤمنين ولذلك سيخرجهم من الظلمات إلى النور. فقال:

الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور..

[البقرة: 257]. ونحن نعلم أنه سبحانه يأتي بالمحسات ليبين المعنويات لأن إلف الإنسان أولا بالمحسات، وهي أقرب إلى تقريب المراد، فحين يضرب الحق سبحانه لنا المثل بالكفر والإيمان، يصف الكفر بالظلمة، والإيمان بالنور، إنما يريد الحق أن يجعل لك المراد واضحا موصولا بمفهومك. وإذا كنا نتجنب معاطب الظلمات الحسية، أليس الأجدر بنا - أيضا - أن نتجنب معاطب الظلمات المعنوية، إن الظلمة الحسية تستر الأشياء فلا نرى الأشياء، وقد نرتطم بأضعف شيء فنحطمه أو نصطدم بأقوى شيء فيحطمنا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٨٢