تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن: فحجب المرائي يسبب الكوارث، أما حين يأتي النور فهو يبين ملامح الأشياء فتسير على هدى وأنت مطمئن. وهب أنك في مكان مظلم ويوجد شيء آخر في مكان منير، فأنت في الظلمة ترى من يوجد في النور، وهذه مسألة لم يفطن لتفسيرها علماء ما قبل الإسلام، حيث كانوا يظنون أن الرؤية إنما تحدث من انتقال شعاع من عين الرائي إلى المرئي، حتى جاء " الحسن بن الهيثم " العالم الإسلامي واكتشف قوانين الضوء، وكشف خطأ ما سبقه من نظريات، وحدد أن المرئي هو الذي يصدر منه شعاع إلى الرائي، وإذا ما كان المرئي في ظلمة فلن يراه أحد، ولو كان هناك شعاع يخرج من الرائي لرأى الإنسان في الظلام. إذن: أول ولاية من الله للمؤمنين أنه سبحانه يخرجهم من الظلمات إلى النور، والظلمة المعنوية أقوى من الظلمة الحسية، وكذلك النور المعنوي أقوى من النور الحسي، فعالم القيم قد يكون أقوى من عالم الحس لأن الجبر في عالم الحس يمكن أن يحدث، أما في عالم القيم فهو أمر شاق ولذلك قال الشاعر:

جراحات السنان لها التئام

ولا يلتام ما جرح اللسان

ويقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ [يونس: 62]. و " ألا " كما أوضحنا من قبل أداة تنبيه من المتكلم للمخاطب حتى لا تفوته كلمة واحدة مما يجيء في الخطاب. وقوله سبحانه: ﴿ لا خوف عليهم.. ﴾ [يونس: 62]. أي: لا خوف عليهم من غيرهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ [يونس: 62] أي: أن الحزن لن يأتي منهم، والخوف يكون من توقع شيء ضار لم يقع حتى الآن، ولكنه قد يحدث في المستقبل. وفي حياتنا اليومية نجد الأب يمسك بيد ابنه في الزحام خوفا عليه، وقد ترى وليا من أولياء الله وقد أصيب ابنه في حادث أو مات الابن، تجد الولي في ثبات لأنه يعلم حكمة الله في قضائه، فلا تتطوع أنت بالخوف عليه. إذن: فالخوف يأتي من المستقبل، وهو أمر مرتقب، أما الحزن فهو إحساس يحدث على شيء فات. والحق سبحانه يقول:

لكيلا تأسوا على ما فاتكم..

[الحديد: 23]. والحزن على ما فات عبث لأن ما فات لا يعود. وأولياء الله تعالى لا خوف عليهم لأنهم دائما بصدد معرفة حكمة الله، ومن لا يعرف حكمة الله تعالى في الأشياء قد يقول: " إن فلانا هذا مسكين " لأنك لا تعرف ماذا جرى له. وأما الحزن فهو مشاعر قلبية يريد الله من المؤمن أن تمر على باله. وقد قال صلى الله عليه وسلم حين افتقد ابنه:

" وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون "

ولكنه حزن الورع الذي يتجلى في قوله صلى الله عليه وسلم:

" إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ".

وبين الله سبحانه لنا شروط الولاية فيقول: ﴿ الذين آمنوا وكانوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٨٣