تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول الحق سبحانه:

يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء..

[البقرة: 255]. هذا هو الغيب الذي يكشفه الله سبحانه لهم، إما بالمقدمات، أو بالصدفة، وقد نسب المشيئة له سبحانه، والإحاطة من البشر، وهذا هو غيب الابتكارات. أما الغيب الآخر الذي لا يعلمه أحد إلا هو سبحانه ولا يجليه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول الحق عنه:

عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول..

[الجن: 26-27]. إذن: فالحق سبحانه يفيض من غيبه الذاتي على بعض خلقه، والقرآن الكريم فيه الكثير من الغيب، وأفاضة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحققت الأحداث كما جاءت في القرآن. والحق سبحانه يهب بعضا من خلقه بعضا من فيوضاته، وقد أعطى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بعضا من الهبات وحدد من يعطيه بعضا من الغيب:

إلا من ارتضى من رسول..

[الجن: 27]. وهي ليست للحصر لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة، وقال فيه الحق سبحانه:

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا

[الأحزاب: 21]. ومن يعمل بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم ويقتدي به يهبه الله تعالى هبة يراها الناس فيعرفون أن من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم كقدوة يعطيه الله سبحانه الهبات النوارنية، ولكن هذه الهبة ليست وظيفة، وليست دكانا للغيب، بل هي من عطاءات الله تعالى. وانظر إلى دقة القرآن حين يقول:

وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو..

[الأنعام: 59]. أي: أنه سبحانه لم يعط مفتاح الغيب لأحد، والولي من أولياء الله إنما يأخذ الهبة منه سبحانه، لكن مفتاح الغيب هو عند الله وحده. وعندما نتأمل قول الحق سبحانه: ﴿ ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ [يونس: 62]. نجد أن كلمة " ولي " من وليه، يليه، أي: قريب منه، وهو أول مفزع يفزع إليه إن جاءه أمر يحتاج فيه إلى معاونة من غيره، وإن احتاج إلى نصرة فهو ينصره، وخيره يفيض على من والاه. ومن يقرب عالما يأخذ بعضا من العلم، ومن يقرب قويا يأخذ بعضا من القوة، ومن يقرب غنيا، إن احتاج، فالغني يعطيه ولو قرضا. إذن: فالولي هو القريب الناصر المعين الموالي. وتطلق " الولي " مرة لله سبحانه، وقد قال القرآن:

فالله هو الولي..

[الشورى: 9]. لأنه سبحانه القريب من كل خلقه، عكس الخلق الذين يقتربون من بعضهم أو يتباعدون حسب إمكاناتهم، أما الله سبحانه وتعالى فهو الولي المطلق، فقربه من خلق لا يبعده عن خلق، ولا يشغله شيء عن شيء، فهو الولي الحق، وهو سبحانه يقول:

هنالك الولاية لله الحق..

[الكهف: 44]. فمن يحتاج إلى الولاية الحقة فليلجأ إلى الله، وهو سبحانه يفيض على الأوفياء لمنهجه من الولاية. ونجد التعبير القرآني الدقيق:

الله ولي الذين آمنوا..

[البقرة: 257]. فهو سبحانه يقرب من عباده المؤمنين، والمؤمنون يقربون من الله تعالى في قول الحق سبحانه: ﴿ ألا إن أوليآء الله.. ﴾ [يونس: 62]. إذن: فالولاية المطلقة لله، وإن قيدت بشيء مضاف ومضاف إليه، فهي مرة تكون من المؤمنين لله، ومرة تكون من الله للمؤمنين. والحق سبحانه لا تحكمه قوانين فبطلاقة قدرته سبحانه إذا رأى في إنسان ما خصلة من خير، فيكرمه أولا، فيصير هذا العبد طائعا من بعد ذلك. وتسمع من يقول: إن فلانا قد خطف من المعصية أي: أنه كان عاصيا، ثم أحب الله تعالى خصلة خير فيه، فهداه. ومثال ذلك: الرجل الذي سقى كلبا، بل احتال ليسقيه بأن ملأ خفه بالماء من البئر ليروي ظمأ الكلب فغفر الله - سبحانه وتعالى - له سيئاته. هذا الرجل لم يكن ليروي الكلب نفاقا للكلب، ولكن لأن الرجل شعر بالعطف على كائن ذي كبد رطبة. إذن: فليست المسائل عند الله تعالى آلية أو ميكانيكية، بل طلاقة قدرته سبحانه تقدر كل موقف كما قدرت اختلاف الخلق، ولذلك قال سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٨١