فإذآ أفضتم من عرفات..
[البقرة: 198]. أي: شرعتم في الذهاب مسرعين لأنكم أديتم نسكا أخذتم منه طاقة، وتقبلون بها على نسك ثان. إذن: فالحق سبحانه يشهد كل عمل منكم، لكن ماذا عن النيات وما يبيت فيها من خواطر. ها هو الحق سبحانه يخبرنا أن كل شيء مهما صغر واختفى فهو معلوم ومحسوب. يقول الحق سبحانه: ﴿ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ﴾ [يونس: 61]. أي: أن كل أمورك، وأمور الخلق، والمخلوقات كلها معلومة لله تعالى، ومكتوبة في كتاب مبين واضح، فلا أحد بقادر على أن يختلس حركة قلب، أو يختلس حركة ضمير، وكلمة " يعزب " تعني: يغيب ويختفي. والحق سبحانه يخبرنا أنه لا يضيع عنده جزاء أي عمل أو نية مهما بلغ العمل أو النية أدنى درجة من القلة. ولم يوجد عند العرب ما يضرب به المثل على الوزن القليل إلا الذرة، وهي النملة الدقيقة الصغيرة جدا، ثم أطلقت الذرة على الهباء الشائع في الجو، ويمكنك أن ترى هذا الهباء إن جلست في حجرة مظلمة مغلقة، ثم دخلها شعاع من ضوء، هنا ترى هذا الضوء وهو يمر من الثقب وكأنه سهم، وترى مكونات هذا السهم من ذرات الهباء المتحركة الموجودة في الجو، تلك الذرات التي لا تراها وأنت في الضوء فقط أو في الظلام فقط، ولكن التناقض بين الضوء والظلام يبرزها.
وأنت لا تدرك الشيء ولا تحسه لأمرين: إما لتناهيه في الصغر، وإما لتناهيه في الكبر فلا تحيط به، وحين تقدم العلم التطبيقي اخترعوا المجاهر التي تكبر الشيء المتناهي في الصغر آلاف، أو ملايين المرات. وأنت لو وضعت جلدك تحت عدسة المجهر فسترى فجوات وكأنها آبار لم تكن تراها أو تحسها من قبل لأنها بلغت من الدقة والصغر بحيث لا تستطيع عيناك أن تدركها، فإن رأيتها بالمجهر كبرت فترى فجوات وتعاريج وعلوا وانخفاظا - مهما كان الجلد الذي تراه تحت المجهر ناعما. وكذلك أنت لا تقدر على إدراك الشيء الضخم، وقد تفصل بينك وبين الشيء الكبير مسافة فتراه أصغر من حجمه، وكلما ابتعد صغر، فأنت إذا رأيت - مثلا - رجلا طويلا على مسافة كبيرة، فأنت تراه وكأنه طفل صغير، وكلما اقترتب منه زاد طوله في عينيك. إذن: لا الضخامة ولا البعد ولا القلة تمنع من علم الحق سبحانه لأي شيء. وقد خاطب الحق سبحانه العرب بأصغر ما عرفوه، وهو الذرة، أي: النملة الصغيرة. وأنت إذا وطأت نملة في أرض رملية فهي لا تموت، بل تدخل في فجوات الرمل، وتجد لنفسها طريقا إلى سطح الأرض مرة أخرى. قد بين الحق سبحانه هذه المسألة حين تحدث عن سليمان - عليه السلام - في وادي النمل، فقال تعالى:
قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون
[النمل: 18]. لأنهم لا يرونهم لحجمهم المتناهي في الصغر. وهكذا يعطينا الحق سبحانه بيانا عن كل أمة في الحياة، وأن من بينهم جنودا يحرسون بيقظة، فالنملة قامت بإنذار قومها من سليمان وجنوده، لأنهم لن يروا النمل الصغير. إذن: الذر إما أن يكون النمل الصغير، وإما أن يكون الذرات الهبائية. وأراد الله سبحانه أن يضرب لنا مثلا بإحاطة علمه في أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة. ويعزب، أي: يغيب، ويقال: " هذا البئر ماؤه عازب " ، أي قادم من عمق بعيد، ويحتاج استخراجه إلى دلو وحبال طويلة. ونسمي الرجل الذي يبعد عن أهله " عزب ". وقول الحق سبحانه: ﴿ وما يعزب ﴾. أي: لا يبعد ولا يغيب عنه أصغر شيء ولا أكبر شيء. يقول سبحانه ذلك ليطمئننا أن كل خاطرة من خواطر الإنسان إنما يشهدها الله، ويعلمها، وهو المجازي عليها.
وإن استطاع إنسان أن يعمي على قضاء الأرض، فلن يستطيع أن يعمي على قضاء السماء. ومسألة الذرة والصغر يقول عنها الحق سبحانه:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره