وقد قال الحق سبحانه:
لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..
[الحديد: 25]. نعم، فقد أنزل الحق سبحانه منهجه على الرسل عليهم السلام لتصلح حياة الناس، وأنزل الحديد أيضا، هذا الذي نستخرجه من الجبال ومن الأرض. إذن: فالمراد هنا بالإنزال، أي: الإيجاد ممن هو أعلى منك لصالحك أيها الإنسان. وما دام الحق سبحانه هو الذي أنزل الرزق، وبين الحلال والحرام، فلماذا تدخلون أنوفكم في الحلال والحرام، وتجعلون بعض الحلال حراما، وبعض الحرام أو كل الحرام حلالا؟ لماذا لا تتركون الجعل لمن خلق وهو سبحانه أدرى بمصلحتكم؟ ﴿ قل ءآلله أذن لكم.. ﴾ [يونس: 59]. أي: هل أعطاكم الله سبحانه تفويضا في جعل الحلال حراما، والحرام حلالا؟ ﴿ أم على الله تفترون ﴾ [يونس: 59] أي: على الله تتعمدون الكذب. وقد جاء الحق سبحانه بالحلال والحرام ليبين لنا مدى قبح السلوك في تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله. ويشير الحق سبحانه - في إجمال هذه الآية - إلى آيات أخرى فصلت الحرام، وسبق أن تناولناها بخواطرنا، مثل قوله تعالى:
ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون
[المائدة: 103]. والبحيرة - كما ذكرنا - هي الناقة التي أنجبت خمس بطون آخرها ذكر، وكانوا يشقون أذنها، ويعلنون أنها قامت بواجبها ويتركونها سائمة غير مملوكة، لا يركبها أحد، ولا يحمل عليها أحد أي حمل، ولا يحلبها أحد، ولا يجز صوفها أحد، ثم يذبحها خدام الآلهة التي كانوا يعبدونها، وسموها " بحيرة " لأنهم كانوا يشقون آذانها علامة على أنها أدت مهمتها. أما السائبة فهي غير المربوطة لأن الربط يفيد الملكية، وكان الواحد منهم إذا شفي من مرض أو أراد شيئا وهب أن يجعل ناقة لخدام الأصنام، واسمها سائبة، وهي أيضا لا تركب، ولا تحلب، ولا يحمل عليها، ولا أحد يتعرض لها. والوصيلة: هي الأنثى تلدها الناقة في بطن واحدة مع ذكر، فيقولون: " وصلت أخاها " فلا يذبحونه للأصنام من أجل أخته. ﴿ ولا حام ﴾ والحام: هو الفحل الذي يحمي ظهر نفسه بإنجاب عشرة أبطن، فلا يركبه أحد بعد ذلك، ولا يحمل عليه، ويترك لخدام الأصنام. هذه هي الأنعام المحللة التي حرموها على أنفسهم، بينما يأكلها خدام الأصنام، وفي ذكر عدم تحريم تلك الأنعام رأفة بهم. وهناك أيضا قول الحق سبحانه:
ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين
[الأنعام: 143-144]. إذن: فقد حرموا بعضا مما أحل الله لهم، وقالوا ما أورده القرآن:
وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم سآء ما يحكمون
[الأنعام: 136]. وأجمل الحق سبحانه كل ذلك في قوله الحق: ﴿ قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون ﴾ [يونس: 59]. وهكذا تدخلوا في تحريم بعض الحلال وحللوا بعضا من الحرام، وفي هذا تعد ما كان يجب أن يقترفوه لأن الحق سبحانه هو خالقهم، وهو خالق أرزاقهم، وفي هذا كذب متعمد على الله سبحانه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وما ظن الذين يفترون على الله الكذب... ﴾.