ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض..
[النمل: 25]. ومن كان يظن أن الهدهد، وهو طائر، يكون على هذه البصيرة بالعقائد على أصفى ما تكون؟ لأن الحق سبحانه أراد أن يبين لنا أن هذا الطائر لا هوى له يفسد عقيدته، وأن أهواءنا هي التي تفسد العقائد، ومن أعطاه الله سبحانه البدائل هو الذي يفسد الاختيار ما دام لا يحرس الاختيار بالإيمان، وأن يختار في ضوء منهج الله تعالى. ونحن نرى أن ما دون الإنسان من طائر أو حيوان لا يفسد شيئا لأن غريزته تقوده، فلا نجد حيوانا يأكل فوق طاقته، لكننا نجد إنسانا يصيب نفسه بالتخمة، ولا نجد حمارا يقفز فوق قناة من الماء لا يقدر عليها، بل نراه وهو يتراجع عنها، وكلنا نجد إنسانا يشمر عن ساعديه ليقفز فوق قناة مياه فيقع فيها.
إذن: فنحن بأهوائنا التي تسيطر على غرائزنا نوقع أنفسنا فيما يضرنا، ما لم نحرس أنفسنا بمنهج الله سبحانه وتعالى. ونجد في مثال الهدهد صفاء عقديا في التوحيد كأصفى ما يكون المتصوفة، ويأتي بما يهمه ﴿ ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ﴾ لأن الخبء هو رزق الهدهد، فهو لا يأكل من الشيء الظاهر على سطح الأرض، بل يضرب بمنقاره الأرض ليأتي لنفسه بما يطعمه. ويعطينا الحق سبحانه مثلا آخر بالنملة التي قالت:
يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون
[النمل: 18]. وهذه دقة عدالة من هذه النملة، فإنها لم تقل: إن سليمان وجنوده سيحطمون أخواتها من النمل ظلما لهم، بل قالت: ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ لأنكم لا تظهرون تحت أرجلهم. إذن: كل كائن في الوجود له حياة تناسبه، ولكن الآفة أننا نريد أن نتصور الحياة في كل كائن، كتصورها في الكائن الأعلى وهو الإنسان. ولا بد لنا أن نعلم أن النبات له حياة تناسبه، والحيوان له حياة تناسبه، والجماد له حياة تناسبه، وكل شيء في الحياة له لون من الحياة المناسبة له. وقد أوضحنا من قبل أن الحق سبحانه قد قال:
ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة..
[الأنفال: 42]. والهلاك مقابل للحياة، والحياة مقابلة للموت، والهلاك يساوي الموت. والحق سبحانه يصور الحالة يوم القيامة فيقول:
كل شيء هالك إلا وجهه..
[القصص: 88]. إذن: فالجماد هالك، ولكنه يتمتع بلون من الحياة لا نعرفه، وكذلك كل كائن له حياة تناسبه، والآفة أن الإنسان يريد أن يعرف الحياة التي في الجماد كالحياة في الإنسان. وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله الحق: ﴿ حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا ﴾ [يونس: 24]. وقد جاء هذا القول من قبل أن يتقدم العلم ويثبت أن الأرض تشبه الكرة، وأنها تدور، وأن كل ليل يقابله نهار، وكذلك جاء قول الحق سبحانه:
أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نآئمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى..
[الأعراف: 97-98]. إذن: فأمر الله سبحانه يتحقق حين يشاء، وهو أمر واحد عند من يكونون في ضحى أو في ليل. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ﴾ [يونس: 24]. أي: كأنها لم يكن لها وجود. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ﴾ [يونس: 24]. فإذا كانت الدنيا كلها مثل عملية الزرع في الأرض الذي ينمو ويزدهر ويزدان، ثم ينتهي، ألا يجب أن ننتبه إلى أن كل زخرف إلى زوال وعلينا ألا نفتتن بزينة الدنيا ومتاعها في شيء، وأن نحرص على ألا نبغي في الأرض لأن البغي متاع الحياة الدنيا، وهي إلى زوال.
ونجد القرآن يأتي بذكر التفصيل للآيات، ويتبع ذلك بأن هذا التفصيل لقوم " يتفكرون " ، أو " يتذكرون " ، أو " يعقلون " ، أو " يتدبرون ". وكل هذه عمليات تتناول المعلوم الواحد في مراحل متعددة، فالتعقل: هو أن تأتي بالمقدمات لتستنبط ولترى إلى أي نتائج تصل. والتذكر يعني: ألا تنسى وألا تغفل عن الأمر الهام. والتفكر: هو أن تعمل الفكر. والفارق بين الفكر والعقل هو أن العقل أداة التفكر. والتدبر: هو ألا تنظر إلى ظواهر الأشياء، بل إلى المعطيات الخفية في أي أمر. والحق سبحانه يقول: