إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * طلعها كأنه رءوس الشياطين
[الصافات: 64-65]. ما بال الله سبحانه يبين شجرة الزقوم، وهي شجرة في النار لا نعرفها، فيعرفها للمؤمنين به بأن طلعها يشبه رءوس الشياطين، وبذلك يكون سبحانه قد مثل مجهولا بمجهول. والذين قالوا ذلك فاتهم أن الذي يتكلم هو الله تعالى. وقد أراد الحق سبحانه أن يمثل لنا شجرة الزقوم بشيء بشع معلوم لنا، والبشع المعلوم هو الشيطان. وشاء الحق سبحانه ألا يحدد البشاعة حتى لا ينقضي التشبيه لأن الشيء قد يكون بشعا في نظرك، وغير بشع في نظر غيرك. ويريد الله سبحانه أن يبشع طلع شجرة الزقوم فاختار الشيء المتفق على بشاعته، وهو رءوس الشياطين، وليتصور كل إنسان صورة الشيطان، بما ينفر منه ويقبحه، وهكذا تتجلى عظمة الحق سبحانه في أن جعل شكل الشيطان مبهما. وأما المثل الذي نحن بصدده هنا وهو تشبيه الحياة الدنيا بأنها كالماء الذي أنزله الحق سبحانه من السماء فاختلط به نبات الأرض، والحياة الدنيا نحن ندرك بعضها، وكل منا يدرك فترة منها، ولم يدرك أولها، وقد لا يدرك آخرها، فجاء الحق سبحانه بمثل يراه كل واحد منا، وهو الزرع الذي يرتوي بالمطر، فأراد الحق سبحانه أن يجمع لنا صورة الدنيا في مثل معروف لنا جميعا، وندركه جميعا فندرك ما سبق، وما يلحق، فكل شيء يأخذ حظه في الازدهار، والجمال، ثم ينتهي، كذلك الدنيا. يقول الحق سبحانه: ﴿ كمآء أنزلناه من السمآء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ﴾ [يونس: 24]. والزخرف: هو الشيء الجميل المستميل للنفس وتسر به حينما تراه، وتتزين الدنيا بالألوان المتنوعة في تنسيق بديع، ثم يصبح كل ذلك حصيدا وهذا ما نراه في حياتنا، وهكذا جمع الله سبحانه وتعالى مثل الحياة الدنيا من أولها إلى آخرها بالصورة المرئية لكل إنسان، حتى لا يخدع إنسان بزخرف الدنيا ولا بزينتها.
والحق سبحانه هو القائل:
فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا المآء صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدآئق غلبا * وفاكهة وأبا * متاعا لكم ولأنعامكم * فإذا جآءت الصآخة * يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه
[عبس: 24-37]. إذن: فالدنيا بكل جمالها الذي تراه إنما تذوي، وما تراه من بديع ألوانها إنما يذبل، ومهما ازدانت الدنيا فهي إلى زوال، فإياك أن تبغي لأن البغي فيه متاع الدنيا، والدنيا كلها إلى زوال كزوال الروض التي ينزل عليها المطر فتنبت الأرض الأزهار، ثم يذوي كل ذلك. وقد قال الحق سبحانه:
إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * فأصبحت كالصريم
[القلم: 17-20]. إذن: فالدنيا بهذا الشكل وعلى هذا الحال. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت ﴾ [يونس: 24]. والأرض تتزين بأمر ربها، والحق سبحانه ينسب الإدراكات إلى ما لا نعرف أن له عقلا أو إرادة. ألم يقل الحق سبحانه في قصة العبد الصالح:
فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض..
[الكهف: 77]. فهل يملك الجدار إرادة أن ينقض؟ ولو حققنا الأمر جيدا لوجدنا أن الحق سبحانه جعل لكل كائن في الوجود حياة تناسبه، وله إرادة تناسبه، وله انفعال يناسبه. وقد ضرب الحق سبحانه لنا في ذلك صورا شتى، فنجد أن الشيء الذي يعز على عقولنا أن تفهمه يبرز لنا ببيان من الله تعالى. ومثال هذا: معرفة الهدهد في قصة سليمان عليه السلام بالتوحيد، وكيف أخبر هذا الهدهد سيدنا سليمان عليه السلام بحكاية مملكة سبأ حيث يسجد الناس هناك للشمس من دون الله، فكأن الهدهد قد علم من يستحق السجود له إذ قال: