تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وانظر إلى أي جماعة تكيد لأي أمر، وستجد من بينهم من يبلغ عنهم السلطات، وأجهزة الأمن، فإذا كان كيد البشر للبشر مفضوحا بمن يشي منه بالآخرين، بل هناك من البشر غير الكائدين من يستطيع بنظرته أن يستنبط ويستكشف من يكيدون له. وهناك من الأجهزة المعاصرة ما تستطيع تسجيل مكالمات الناس والتنصت عليهم وكل ذلك مكر من البشر للبشر، فما بالنا إن كاد الله لأحد، وليس هناك أحد مع الله سبحانه وتعالى ليبلغنا بكيده، ولا أحد يستطيع أن يتجسس عليه؟! مكر الله سبحانه - إذن - أقوى من أي مكر بشري لأن مكر البشر قد يهدم من بعض الماكرين أو من التجسس عليهم، لكن إذا كاد الله لهم، أيعلمون من كيده شيئا؟ طبعا لا يعلمون. وكلمة ﴿ أسرع مكرا ﴾ تلفتك إلى أن هناك اثنين يتنافسان في سباق، وحين تقول: فلان أسرع من فلان، فمعنى ذلك: أن كلا منهما يحاول الوصول إلى نفس الغاية، لكن هناك واحدا أسرع من الآخر في الوصول إلى الغاية. ومكركم البشري هو أمر حادث، لكن الله - سبحانه - أزلي الوجود، يعلم كل شيء قبل أن يقع، ويرتب كل أمر قبل أن يحدث لذلك فهو الأسرع في الرد على مكركم، إن مكرتم. وهناك يقول الحق سبحانه: ﴿ وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا ﴾ و " إذا " الأولى ظرف، أما إذا الثانية فهي " إذا الفجائية " مثلما تقول: خرجت فإذا الأسد بالباب. وهم حين أنزل الحق لهم الأمطار رحمة منه، فهم لا يهدأون ويستمتعون ويذوقون رحمة الله تعالى بهم من الماء الذي جاءهم من بعد الجدب، بل دبروا المكر فجأة، فيأتي قول الحق سبحانه: ﴿ قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾. وهكذا ترى أن ما يبطل كيد الماكرين من البشر، يكون بإحدى تلك الوسائل: إما أن يكون بوشاية من أحد الماكرين، وإما أن يكون بقوة التخابر من الغير، وإما أن يكون من رسل العلي القدير وهم الملائكة الذين يكتبون كل ما يفعله البشر، فسبحانه القائل:

وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون

[الانفطار: 1012]. واقرأ أيضا قول الحق سبحانه:

اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا

[الإسراء: 14]. وجاء الحق سبحانه بكل ما سبق لأنه سبحانه قد شاء أن يعطي لقريش فرصة التراجع في عنادها للرسول صلى الله عليه وسلم، هذا العناد الذي قالوا فيه: إنهم يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم، وهذا قول مغلوط لأن الآباء في الأصل كانوا مؤمنين، ولكن جاءهم الضلال كأمر طارىء، والأصنام التي عبدوها طارئة عليهم من الروم، جاء بها إنسان ممن ساحوا في بلاد الروم هو " عمرو بن لحي " ، فإن رجعتم إلى الإيمان بعد عنادكم فهذا هو الطريق المستقيم الذي كان عليه آباؤكم بالفطرة والميثاق الأول. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ هو الذي يسيركم في البر والبحر... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٢٠