وأنه هو أضحك وأبكى
[النجم: 43]. لكن الضاحك والباكي يقوم به الوصف. وكذلك قوله الحق:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى..
[الأنفال: 17]. فقد شاء الحق سبحانه أن يمكن رسوله صلى الله عليه وسلم بالبشرية أن يرمي الحصى، ولكن إيصال الحصى لكل فرد في الجيش المقابل له، فتلك إرادة الله. إذن: فقول الحق سبحانه: ﴿ هو الذي يسيركم في البر والبحر ﴾. لا يتعارض مع أنهم هم الذين يسيرون، وأنت إذا عللت السير في الأرض أو في البحر ستجد أن السير هو انتقال السائر من مكان إلى مكان، وهو يحدد غاية السير بعقله، والأرض أو البحر الذي يسير في أي منهما بأقدامه أو بالسيارة أو بالمركب، هذا العقل خلقه الله تعالى، والأرض كذلك، والبحر أيضا، كلها مخلوقات خلقها الله سبحانه وتعالى. وأنت حين تحرك ساقيك لتسير، لا تعرف كيف بدأت السير ولا كم عضلة تحركت في جسدك، فالذي أخضع كل طاقات جسمك لمراد عقلك هو الله تعالى. إذن: فكل أمر مرجعه إلى الله سبحانه. وهنا ملحظ في السير في البر والبحر، فكلاهما مختلف، فالإنسان ساعة يسير في الأرض على اليابسة، قد تنقطع به السبل، ويمكنه أن يستصرخ أحدا من المارة، أو ينتظر إلى أن يمر عليه بعض المارة ليعاونه.
أما المرور في البحر فلا توجد به سابلة أو سالكة كثيرة حتى يمكن للإنسان أن يستصرخهم. إذن: فالمرور في البحر أدق من المرور في البر ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول عن السير في البحر: ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ﴾ [يونس: 22]. وهكذا لا نجد أن في الآية نفسها حديثا عن السير في البر لأن الحق سبحانه ما دام قد تكلم عن إزالة الخطر للمضطر في البحر، فهذا يتضمن إزالته عمن يسير في البر من باب أولى. وإذا ما جاء الدليل الأقوى، فهو لا بد أن ينضوي فيه الدليل الأقل. ومثال هذا قول الحق سبحانه:
ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا
[الأحقاف: 15]. وجاءت كل الحيثيات بعد ذلك للأم، ولم يأت بأي حيثية للأب، فيقول:
حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا
[الأحقاف: 15]. وشاء الحق سبحانه ذلك لأن حيثية الأم مبنية على الضعف، فيريد أن يرقق قلب ابنها عليها، فالأب رجل، قد يقدر على الكدح في الدنيا، كما أن فضل الأب على الولد يدركه الولد، لكن فضل أمه عليه وهو في بطنها لا يعيه، وفي طفولته الأولى لا يعي أيضا هذا الفضل. ولكنه يعي من بعد ذلك أن والده يحضر له كل مستلزمات حياته، من مأكل وملبس، ويبقى دور الأم في نظر الطفل ماضيا خافتا. إذن: فحيثية الأم هي المطلوبة لأن تعبها في الحمل والإرضاع لم يكن مدركا من الطفل. وكذلك هنا في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، ترك الحق سبحانه حيثية البر وأبان بالتفصيل حيثية البحر: ﴿ هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك ﴾ [يونس: 22]. وكلمة الفلك تأتي مرة مفردة، وتأتي مرة جمعا، والوزن واحد في الحالتين ومثال هذا أنه حين أراد الله سبحانه أن ينجي نوحا عليه السلام، وأن يغرق الكافرين به، قال لسيدنا نوح:
واصنع الفلك بأعيننا..
[هود: 37]. إذن هي تطلق على المفرد، وعلى الجمع، ولها نظائر في اللغة في كلتا الحالتين، فهي في الإفراد تكون مثل: قفل، وقرط. وعند الجمع تكون مثل: أسد. والحق سبحانه وتعالى يصف الريح هنا بأنها طيبة، والقرآن الكريم طبيعة أسلوبه حين يتكلم عن الريح بلفظ الإفراد يكون المقصود بها هو العذاب، مثل قوله الحق:
فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها..