تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[القصص: 48]. وهذا تأكيد أنهم طلبوا الآية الحسية لأنهم علموا بالآيات الحسية للرسل السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن قولهم هذا كان تشبثا بالكفر رغم أنهم شهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أحواله، وقد حدثت الآيات الحسية ورآها من آمن به، وزاد تمسكهم بالإيمان. والذين طلبوا أن يأتي لهم محمد صلى الله عليه وسلم بمعجزة حسية، كمعجزة موسى عليه السلام، نسوا أن موسى عليه السلام قد بعث إلى قوم محدودين هم بنو إسرائيل. أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد بعث إلى الناس كافة لذلك كان لا بد أن تكون معجزته متجددة العطاءات، وتحمل المنهج المناسب لكل زمان ومكان. أما المعجزة الحسية فهي تنقضي بانقضاء زمانها ومكانها. أو هم طلبوا الآيات التي اقترحوها مثل قولهم:

وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك..

[الإسراء: 9093]. إذن: فهم قد طلبوا آيات اقترحوها بأنفسهم، والآيات لا تكون باقتراح المرسل إليهم، بل بتفضل المرسل. ولقائل أن يقول: ولماذا لم يرسل الحق سبحانه لهم آية حسية معجزة كما قالوا؟ فنقول: إن الحق سبحانه قد قال:

وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون..

[الإسراء: 59]. وعلى ذلك يكون قولهم بطلب الآيات مدحوضا لأن الحق سبحانه قد أرسل الآيات من قبل وكذب بها الأولون، أو هم طلبوا آيات اقترحوها، ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم: ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وفي هذا إقرار منهم بأن لمحمد صلى الله عليه وسلم ربا، وهو صلى الله عليه وسلم يبلغ عنه، فكيف - إذن - ينكرون أنه رسول؟! ونعلم أنهم قالوا من قبل: " إن رب محمد قد قلاه " حين فتر الوحي عنه صلى الله عليه وسلم، ولكن الحق سبحانه رد عليهم:

ما ودعك ربك وما قلى

[الضحى: 3]. إذن: هم قد ناقضوا أنفسهم، ففي الوصل منعوا وأنكروا أن يكون له رب، وفي الهجر سلموا بأن له ربا، وهذا تناقض في الشيء الواحد، وهو لون من التناقض يؤدي إلى اضطراب الحكم، واضطراب الحكم يدل على يقظة الهوى.

ثم يقول الحق سبحانه ردا على طلبهم للآية الحسية: ﴿ فقل إنما الغيب لله ﴾ وهكذا يعلم الحق سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم جوابا احتياطيا، فمن الممكن أن ينزل الحق سبحانه الآية الحسية، ومن الممكن ألا ينزلها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكم على ربه لأن الغيب أمر يخصه سبحانه، إن شاء جعل ما في الغيب مشهدا، وإن شاء جعل الغيب غيبا مطلقا، وليس عليكم إلا الانتظار، ويعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه معهم من المنتظرين ﴿ فانتظروا إني معكم من المنتظرين ﴾ [يونس: 20]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤١٨