" تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه ".
إذن: فالغفلة هي أول باب يدخل منه الشيطان فيبعد الإنسان عن أحكام الله. وإذا ما غفل الأب، فالأبناء يقلدون الآباء، فتأتيهم غفلة ذاتية. وهكذا يكون الغافل أسوة لمن بعده. ولذلك قال الحق سبحانه عن الأبناء الذين يتعبون غفلة الآباء:
بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ..
[البقرة: 170]. وإلف تقليد الآباء قضية كاذبة لأننا إن سلسنا مسألة الإيمان إلى آدم عليه السلام، وهو الأب الأول لكل البشر لوجدنا أن آدم عليه السلام قد طبق كل مطلوب لله، فإن قلت: ﴿ بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ ﴾ فهذا القول يحتم عليك ألا تنحرف عن الإيمان الفطري، وإلا كنت من الكاذبين غير المدققين فيما دخل على الإيمان الفطري من غفلة أو غفلات، تبعها تقليد دون تمحيص. والحق سبحانه قد شاء أن تكون كل كلمة في القرآن لها معنى دقيق مقصود، فالحق سبحانه يقول على ألسنة الكافرين في القرآن:
إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون
[الزخرف: 23]. ولم يقل: " مهتدون " بل قال: " مقتدون " ، والمقتدي من هؤلاء هو من اتخذ أباه قدوة، لكن المهتدي هو من ظن أن أباه على حق. إذن: فالمقتدي هو من لا يهتم بصدق إيمان أبيه، بل يقلده فقط، وتقليد الآباء نوعان: تقليد على أنه اقتداء مطلق لا صلة له بالهدى أو الضلال، وتقليد على أنه هدى صحيح لشرع الله تعالى. وقد حدث خلاف حول آدم عليه السلام أهو رسول أم نبي فقط؟ فهناك من قال: إن أول الرسل هو نوح عليه السلام ونقول: وهل من المعقول أن يترك الله الخلق السابقين على نوح عليه السلام دون رسول؟ إن الحق سبحانه وهو القائل:
وإن من أمة إلا خلا فيها نذير
[فاطر: 24]. والذي أشكل على هؤلاء المفسرين الذين قالوا: إن أول رسول هو نوح عليه السلام أنهم قد فكروا تفكيرا سطحيا، وفهموا أن الرسول يطرأ على المرسل إليهم، وما دام لم يكن هناك بشر قبل آدم فكيف يكون آدم مبعوثا برسالة، ولمن تكون تلك الرسالة؟ ولم يفطن هؤلاء المفسرون إلى أن آدم عليه السلام كان رسولا وأسوة إلى أبنائه، فالحق سبحانه قد قال له:
.. فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون
[البقرة: 38]. وسبحانه قد قال لآدم عليه السلام:
.. فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى
[طه: 123]. وما دام الحق سبحانه قد ذكر الهدى، فهذا ذكر للمنهج، وهو الذي طبقه سلوكا يقلده فيه الأبناء.
وغفل هؤلاء المفسرون أيضا عن استقراء قوله الحق:
واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا..
[المائدة: 27]. وابنا آدم عليه السلام قد قدما القربان إلى الله تعالى. إذن: فهما قد عرفا أن هناك إلها. وحين قال قابيل لأخيه:
لأقتلنك
[المائدة: 27]. بعد ما تقبل الله قربان أخيه ولم يتقبل منه. قال هابيل:
إنما يتقبل الله من المتقين
[المائدة: 27]. ثم في قول هابيل:
لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين
[المائدة: 28]. إذن: لو لم يكن آدم عليه السلام رسولا فمن بلغ أبناءه بأن الله يثيب ويعاقب؟ والحق سبحانه يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن الله سبحانه - قبل رسالة محمد عليه الصلاة والسلام - كان يعاقب من يكذب البلاغ عنه وما جاء به السابقون من الرسل، يقول سبحانه:
فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون