كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]. ولا يذل الإنسان إلا حين يعاني من آفة ما، ولا يأتي طغيانه إلا عند استكمال النعمة في الخارج والنعمة في الداخل، وإن بدأت النعمة في الانقباض عن الإنسان، فكبرياؤه تتطاير. ومن كان يستعرض قوته على الناس، قد يرجو القيام من الوقود ليخطو بضع خطوات فلا يستطيع. والإنسان لا يستغني إلا بما هو ذاتي فيه لا بما هو موهوب له لذلك فعليه ألا يغتر لأن الواهب الأعلى قد يقبض هبته، فقد يأخذ منك العافية، وكثيرا ما رأينا أصحاء قد مرضوا، ورأينا أغنياء قد افتقروا، وأصحاب جاه قد خرجوا من جاههم. إذن: فلا داعي للغرور لأن الله قد وهبك كل شيء، وليس لك شيء ذاتي فيك أبدا لذلك يجب أن ينعدم الغرور، فما دام كل ما فيك موهوبا من الواهب الأعلى سبحانه، فالواهب قد يسلب ما وهب، وما إن تسلب من الإنسان نعمة فهو ينتبه. فلا داعي - إذن - لأن يغتر أحد حتى لا يسلم نفسه رخيصة للضياع. والمثال: قد تكون عاديت طبيبا، وهو الوحيد في المكان الذي تقطنه، وقد يحاول البعض الإصلاح بينك وبين هذا الطبيب، فتتأبى أنت، ثم يأتي لك مرض فتلجأ إليه لأن الله قد وهبه القدر السليم من التشخيص بالعلم، فلا يجب - إذن - أن تغتر أو تتعالى على أحد. لكن الإنسان هو الإنسان لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر... ﴾ [يونس: 12]. والكافر ما إن يمسه الضر حتى يقع في بئر الهوان. أما المؤمن فهو مع ربه دائما، وإذا مسه الضر فهو يدعو الله تعالى دائما ولا ينساه لذلك يتلطف به سبحانه، عكس الكافر الذي يدعو الله ساعة الضر فقط. وأين كان ذلك الكافر ساعة أن دعاه الله سبحانه بالرسل إلى الإيمان؟ ونسيان الإنسان أمر وارد في تكوينه الفطري الأول لأن الإنسان حين يعيش في محيط ما. فهو يحب النفع من خارجه، وإذا امتنع عنه هذا النفع الخارجي، فهو يأخذ النفع من ذاته من تحرك أبعاضه وخدمتها لبعضها البعض. ثم لا يجد له مفزعا إلا أن يؤمن بمن خلقه أولا. وانظر إلى التعبير القرآني:
وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه..
[الإسراء: 67]. إذن: فمن يعبد غير الله - سبحانه وتعالى - يضل عنه معبوده، ولا يعرف كيف ينقذ من يعبده لذلك يعود المشرك إلى الله، ولا يجد سواه سبحانه، فهو الذي ينقذ الإنسان لحظة الخطر لأنه الرب الخالق هو أرحم بصنعته، وهذه الرحمة تنقذ الإنسان حتى لو كان كافرا، وهذا كلام منطقي لأننا شهدنا بوحدانية الله تعالى في عالم الذر حينما أخذ الله سبحانه علينا العهد الأول، وقال لنا:
ألست بربكم...
[الأعراف: 172]. قلنا:
بلى...
[الأعراف: 172]. وهذا إيمان الفطرة قبل أن توجد الغفلة أو التقليد لذلك حين تتفرق الآلهة الباطلة من حول الكافر فهو يرجع إلى نفسه ويدعو الله، بل ويوسط من يسأله أن يدعو له الله سبحانه.
وقد يدعو الإنسان من يواسيه لحظة المرض فلا يجد ولدا من أبنائه، أو قريبا من أقربائه، ولكنه فور أن يدعو الله تعالى تلمسه رحمته سبحانه، وقد تجد إنسانا حين يستجيب الحق سبحانه لدعائه قد تركبه حماقة الغرور من جديد، ويقول ما جاء به الحق على لسان قارون:
إنمآ أوتيته على علم عندي...
[القصص: 78]. ويقول: كنت محتاطا وقد رتبت أموري، ثم يأخذه الحق سبحانه وتعالى أخذ عزيز مقتدر. فإذا مسكم الضر فلن تجدوا من البيئات الخارجة عنكم، ولا من ذوات نفوسكم، ما يغنيكم عن خالقكم، وفي لحظة الخطر لا تستطيعون الكذب على أنفسكم فلا تسألون حينئذ أحدا إلا الله سبحانه، وتتذكرون في تلك اللحظة عهد الذر الأول، وتعودون إليه سبحانه. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما ﴾. وقوله الحق: ﴿ فلما كشفنا عنه ضره ﴾ يصور الضر وكأنه يغطي الإنسان ويلفه، فلا منقذ له أبدا لأن الكشف هو رفع لغطاء يغطي كل الإنسان، وهكذا يعطينا الله تعالى صورة لاستيعاب الضر للجسم كله حتى وإن كان بأداة من أدوات الإدراك مثل قوله سبحانه: