مآ أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا
[الكهف: 51]. ولأن الحق لم يشهد أحدا على كيفية خلق السماء والأرض وخلق الإنسان، فنحن لا نأخذ معلومات عن كيفية الخلق بعيدا عن القرآن لذلك لا نصدق الافتراضات القائلة بأن الأرض كانت قطعة من الشمس وانفصلت عنها ثم انخفضت درجة حرارتها فكل هذه افتراضات لم تثبت صحتها، والحق سبحانه قد قال:
مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم...
[الكهف: 51]. وهذا القول يدل على أن العقل البشري لا يمكن أن يصل إلى معرفة كيفية خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان، وهو معزول عن منهج السماء. فإن حدثتم كيف خلقتم بصورة تختلف عما جاء في القرآن فقولوا: كذبتم، وإن حدثتم كيف خلقت السماوات والأرض بغير ما جاء في كتاب الله فقولوا: كذبتم لأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض والإنسان وحده، ولا أحد معه، وما شهد أحد من هؤلاء مشهدا ليخبركم به. ويقول الحق سبحانه:
وما كنت متخذ المضلين عضدا
[الكهف: 51]. والمضلون: هم الذين يقولون لكم افتراضات غير صحيحة عن تطور القرد حتى صار إنسانا، وأن الأرض كانت قطعة من الشمس وانفصلت عنها كل هذه افتراضات قالها من سماهم الحق سبحانه: ﴿ المضلين ﴾.
ولو لم يقل الله تعالى هذه الآية، ثم جاء قوم ليقولوا: الإنسان كان في الأصل قردا، لقلنا: إن القرآن لم يتعرض لذلك، وكان من الممكن أن نصدقهم، لكن الله سبحانه شاء لنا أن تكون لدينا المناعة ضد هذا الإضلال. وعملية الخلق غيب عنا، أخبرنا عنها من خلقنا سبحانه، فلم يكن معه شاهد رأى هذا المشهد ليقول لنا. والخلق الذي به الحياة ينقضه الموت، ولكن الموت مشهد نشهده، وأي نقض لشيء - كما عرفنا - إنما يأتي على عكس بنائه، فإن بنينا عمارة من عشرين طابقا، وأردنا أن نهدمها لسبب أو لآخر فنحن نهدم الطابق العشرين أولا، ثم نوالي الهدم بعد ذلك، فما بني أولا يهدم أخيرا لأن نقض كل شيء يأتي على عكس بنائه. وبما أن الموت نقض للحياة فالروح إذا ما خرجت من الجسم، وترك الجثمان بلا دفن، فالجثمان يتصلب، ثم يصير جيفة، ثم يتبخر منه الماء، ويتحلل الجسد إلى العناصر الأولى في التراب، هذه مراحل الموت. وقد أخبرنا الحق عن كيفية الخلق، فبين أنه سبحانه خلق الإنسان من التراب والماء فصار طينا، ثم استوى الطين، فصوره الحق صورة الإنسان ونفخ فيه الروح، وآخر مراحله في الإيجاد هي الروح لذلك فخروج الروح هو أول مرحلة في الموت. والله سبحانه وتعالى في هذه الآية جاء بوضع الإنسان على الجنب وقائما وقاعدا، ولم يأت بالمشي لأن الماشي عنده قدرة فلا ضر في ذاته، وإن أصابه ضر فمن غيره، والضر مقابل النفع، والنافع هو من يبقي الشيء على صلاحه الممتع المريح، في الذات أو في الخارج. فساعة تكون ذاتك مستقيمة وملكاتها وأعضاؤها كلها سليمة فليس عندك ضر، لكن إذا حدث خلل في أي عضو من الأعضاء فالمتاعب تبدأ، ولذلك يقال عن السلامة العامة: هي ألا تشعر بأن لك أعضاء لأنك حين تشعر أن لك عينا - مثلا - فاعرف أنها تؤلمك، وإذا شعرت بأذنك فاعرف أنها تؤلمك. وأنت تطحن الطعام بضروسك وتأكل ولا تدري بها. ويوم أن تدري بها فهذا يعني أن ألما قد بدأ. وهكذا لا يشعر الإنسان بفقد السلامة إلا إذا عرف وانتبه إلى أن له عضوا من أعضائه، فيقول: " آه يا عيني " ، و " آه يا أذني ". ونقول: إن وجع العين مؤلم ألما مخصوصا، وكذلك نقول: على أي عضو من الأعضاء، أما من لا يشكو بأعضائه فهو لا يشعر بها لأنها تؤدي أعمالها على الوجه المناسب. والسلامة فيمن حولك تتمثل في أن يحققوا لك المتعة والصفاء بدون كدر. وبذلك تظهر منفعتهم لك. وكل إنسان له كبرياء ذاتي، يبينها قول الحق سبحانه وتعالى: