تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون

[النحل: 112]. فكأن الجوع والخوف قد لف القرية كلها، فلم تعد البطون وحدها هي الجائعة، بل كل ما في الأجسام جائع وخائف. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه ﴾. وكلمة ﴿ مر ﴾ تفيد أن هنا وقفة، فحين يقال: إن فلانا مر علي مقابلها: وقف عندي. ونفهم من قوله الحق: إن هذا الذي مسه الضر كان له وقفة عند الله سبحانه حين لفه الضر ولم يجد معينا له غير الله تعالى، أما قبل ذلك فقد كان يأخذ الخير من الله ولا يتذكر الإيمان به سبحانه، وبعد أن يذهب عنه الضر وينسى الإيمان ﴿ كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه ﴾ وكأنه قد نسي تذلله إلى الله، فهو يمر من مرحلة الذلة والخضوع والدعاء إلى الله إلى مرحلة الاستكبار، فلم يقف عند من أنقذه من ضره، وهذه هي الصفاقة. وينهي الحق سبحانه وتعالى الآية بقوله: ﴿ كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ وهنا تأتي قضية ثانية فالحادثة حادثة خاصة وينقلها الحق سبحانه إلى عمومية تأتي في الكون كله فالمسرفون قديما حصل لهم هذا، والذي زين لهم المرور إما أن يكون الشيطان، وإما أن يكون الحمل من الحق على صفات موجودة فيه، فالحق سبحانه هو القائل:

في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا...

[البقرة: 10]. وقوله تعالى هنا: { فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه.

.. } [يونس: 12]. وهذا ما حدث للمسرفين سابقا، وما سوف يحدث من المسرفين لاحقا. والإنسان له عمل مكون من القول والفعل، والعمل هو كل حادثة متفرعة عن جوارح الإنسان، وإن كان القول مقابله الفعل فالاثنان عمل. وبعد أن يعرض الحق سبحانه هذه القضية في عمومها، وفي خصوصها، وفي انسحابها على الكون كله، يبين لنا ضرورة الانتباه للكافرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحذر الكافرين: أأسلمنا رسولا إلى خصومه أم نصرنا كل رسول جاء على خصومه؟ إن السوابق تدل على أن كلا أخذناه بذنبه، فاحذروا أن تكونوا كذلك. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ ولقد أهلكنا القرون من قبلكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٠٢