تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم

[الأنفال: 32]. كما قال قوم عاد لهود:

أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين

[الأعراف: 70]. إذن: هم قد دعوا بشر على أنفسهم. ويعالج الله قضية الدعاء بالخير أو الدعاء بالشر، لأن الإنسان قد يضيق ذرعا بأمور تحيط بذاته أو بالمحيط به فإذا ضاق ذرعا بأمور تحيط به في ذاته من ألم كمرض - مثلا، أو عاهة لا يقوى على الصبر عليها، أو لا يقوى على تحملها فيقول: " يا رب، أرحني يا رب " ، وهو هنا يدعو على نفسه بالموت. فلو أن الله سبحانه وتعالى استجاب دعاءه لقضيت المسألة. ولكن الله هو الحكيم العزيز، لا يأتمر بأمر أحد من خلقه، ولا يعجل بعجلة العباد، وكما يؤجل لك استجابته لدعوة الخير منك، فهو يؤجل أيضا إجابتك لدعوة الشر منك على نفسك وفي ذلك رحمة منه سبحانه. وإذا كنت تقول: أنا أدعو بالخير، والله سبحانه وتعالى لا يعطيني، فخذ مقابلها: أنك تدعو بالشر على نفسك، ولا يجيبك الله.

ثم ألا يضيق الأب أحيانا ذرعا بمن حوله، فيقول: فليأخذني الله لأستريح من وجوهكم؟ هب أن الله سبحانه أجابه إلى هذه الدعوة، فماذا يكون الموقف؟ وقد تجد من يقول: يا رب أصبني بالعمى فلا أراهم، أو تدعو المرأة على نفسها أو على أولادها. وأنتم تحبون أن يجيب الله تعالى دعاءكم، فلو كان يجيبكم على دعاء الشر لانتهت حياتكم إلى الفزع، مثل هذه الأم التي تدعو بالمتناقضات فتقول لولدها - مثلا: " ربنا يسقيني نارك " فتطلب السقيا بالنار، رغم أن السقيا للري، والنار للحرارة. إذن: قد يضيق الإنسان ذرعا بنفسه، أو يضيق ذرعا بمن حوله فيدعو على نفسه بالشر، وحين يدعو الإنسان فيجب عليه أن ينزه الحق سبحانه وتعالى عن أن ينفذ ما يدعو العبد به دون أن يمر الدعاء على حكمته سبحانه وتعالى. ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ﴾ ، فكما قبلتم أن يؤجل الله تعالى لكم دعاء الشر على أنفسكم فاقبلوا منه تأجيل دعائكم بالخير لأن الخير فيما تطلبون غير الخير فيما يعلم الله فهو العليم الخبير. وقد تطلب خيرا تعلمه ولكن الله يعلم فيه شرا فمن مصلحتك ألا يجيبك. وكما تحترم عدم إجابته لك في الشر على نفسك، أو على من تحب، فاحترم عدم إجابته لك فيما تظنه خيرا لك، أو لمن تحب لأن الله لا يعجل بعجله عباده لأنه سبحانه هو الذي خلقهم، وهو أعلم بهم، فهو القائل:

خلق الإنسان من عجل...

[الأنبياء: 37]. وهو سبحانه القائل:

سأوريكم آياتي فلا تستعجلون

[الأنبياء: 37]. والحق سبحانه لو استجاب لهؤلاء الذين دعوا:

اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة...

[الأنفال: 32]. لكانت نهايتهم بجنس ما دعوا به، وقضي عليهم، ثم انتهوا بعد ذلك إلى عذاب الجحيم. ولكن الحق سبحانه شاء لهم البقاء ليؤمن من يختار الإيمان، أما من اختار الكفر فعليه أن يتحمل تبعة الطغيان التي تتمثل في أن الواحد منهم لا يختار الكفر فقط، بل يتجاوز الحد، ويطلب ممن آمن أن يرتد عن إيمانه، وفي ذلك مجاوزة للحد ولذلك فهم يعمهون في هذا الطغيان، أي: تتكاثر عليهم الظروف، ويثبت - لهم ولمن بعدهم - عجز الكفر عن مواجهة قدرة الحق. وفي الحياة أمثلة - ولله المثل الأعلى - فهناك من يملك عدوه، فيضربه لكنه لا يقتله، ثم يتكرر من هذا الخصم الإساءة، فيضربه من جديد، ثم تتكرر الإساءة فيضربه، وهو لا يقتله أبدا ليداوم على إذلاله، والقوي لا يقتل خصمه، بل يؤلمه فلا يرفع الخصم رأسه. والحق سبحانه يقول: ﴿ فنذر الذين لا يرجون لقآءنا في طغيانهم يعمهون ﴾.

أي: أن الحق سبحانه يترك أهل الباطل لتتجمع عليهم سيئاتهم، ويذوقون ويل خصومة الإسلام فلا يرفعون رءوسهم لأن أهل الإسلام يردون لهم الإساءة مضاعفة، ولسوف ييأس أهل الباطل من أنهم سينتصرون على الحق بأي شكل وبأي لون. وهم مهما تحايلوا في أساليب النكاية في الإسلام، تجد الحق سبحانه وتعالى ينصر المسلمين. والمثل أمامنا من سيرته حين أمره الحق سبحانه بأن يهاجر، وكان الكفار يحاصرون بيته بشباب من القبائل، فخرج صلى الله عليه وسلم ولم يشعروا، وقال صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٩٨