تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

.. } [يونس: 4]. جاء هذا القول مطمئنا الملتزمين بالمنهج بأن هناك بعثا وحسابا لأن المؤمن المطيع لا بد أن ينال حسن الثواب، وأن ينال العاصي الشرير الذي شقيت الدنيا كلها بعصيانه العقاب، ولذلك لا بد من الإعادة ليجزي الله كل واحد بعمله بالقسط. والقسط - كما أوضحنا من قبل - معناه العدل، والمادة هي القاف والسين والطاء. ننطقها مرة " القسط " بكسر القاف. وننطقها مرة أخرى " القسط " بفتح القاف والقسط " بالكسر " هو العدل والقسط " بالفتح " هو الظلم، ولذلك نجد قوله الحق:

وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا

[الجن: 15]. والمقصود بالقاسطين: الجائرون على حقوق غيرهم. ونجد قوله الحق:

وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين

[المائدة: 42]. والمقسطون: هم العادلون بين الناس. إذن: فهناك " قسط " و " قسط " ، وهناك شيء اسمه " قسط " بالفتحتين وهو الانحراف في الرجلين. إلا أن المستعمل في كلمة " قسط " هنا مقصود به العدل، واسم الفاعل منها " قاسط " واستعملت في الجور. وهي مأخوذة من القسط لا من القسط، وتجد من أسماء الله " المقسط " ، ولم يصف نفسه بالقاسط بمعنى العادل، أي: ابتدأ بالعدل أولا، وشاء سبحانه فوصف نفسه بالمقسط، لأنه هو الذي يرفع الجور فيحقق العدل. وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق سبحانه: ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ﴾ أي: جزاء منه بالعدل، وأيضا يمكن أن نقول: إنه سبحانه يجزيهم لأنهم عدلوا في العقيدة لأن القرآن الحكيم - كما نعلم - جاء حاكما وفيصلا بين قضايا العقائد وقضايا الاختيار في الأفعال وقضايا الأخلاق، وهؤلاء قد أخذوا المنهج بدون ظلم لله فلم يشركوا به أحدا، والحق سبحانه هو القائل:

إن الشرك لظلم عظيم

[لقمان: 13]. إذن: فهم بعدلهم وبقسطهم في أمر العقيدة وأنهم لم يرتكبوا إثم الشرك الذي هو ظلم عظيم وبذلك لم يظلموا أنفسهم أيضا، ولم يأخذ واحد منهم لنفسه متعة عاجلة لذلك أنقذهم الله من الشقاء الأبدي الطويل، وهم لم يظلموا الناس. ولكل ما تقدم لا بد أن يجزيهم الله على العمل الصالح بسبب عدلهم وقسطهم. وقد يقال: إن الجزاء بالقسط لا زيادة فيه ولا نقصان، فإذا كان الجزاء من الله، فالعدل على مقتضى التشريع أن تكون الحسنة بعشر أمثالها، ويضاعف سبحانه لمن شاء، هذا هو عدل الله بالتشريع. أو أن الجزاء يعطى بلا زيادة ولا نقصان جزاء العدل، ولكن ذلك لم يحدد الفضل في هذه الآية.

ولذلك حدث إشكال بين علماء الكلام في قول الله سبحانه:

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى

[النجم: 39]. فقال بعضهم: إذا كان الإنسان لا يأخذ إلا جزاء ما سعى، فكيف يجزى جزاء على الحسنة بعشر أمثالها؟ وكذلك ماذا عن صلاة الجنازة؟ وهل ينتفع بها الميت حين ندعو له بالمغفرة؟ وإن كان الإنسان لا يأخذ إلا ما سعى فلن ينتفع بها الميت، فلماذا كلفنا الحق سبحانه بصلاة الجنازة كفرض كفاية، لا فرض عين؟ ونقول: إن وجود اللام في قوله: ﴿ وأن ليس للإنسان ﴾ يفيد الملك، أي: الحق، والآية تعطي الحق ولكنها لم تمنع الفضل، أو نقول: هل نصلي على كل ميت؟ نحن نصلي على الميت المؤمن، والإيمان من عمله، وهو يجازي بصلاتنا عليه، أي: جزاء عمله. ويقول سبحانه: ﴿ والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ﴾ وهكذا نعرف أن العذاب الأليم قد جاء لهم بسبب الكفر، مثلما يجيء الجزاء على الأعمال الصالحة للمقابل لهم بسبب الإيمان والعمل الصالح. إذن: فالقسط هنا تعود على قسط الله، وهو العدل، وكذلك قسطهم هم لأنهم حكموا في الربوبية بالعدل. أما الكافرون، فالعدل معهم أن يذيقهم الله شرابا من حميم بما كانوا يكفرون، وهذا ما يرجح أن القسط هنا هو قسطهم هم. وكلمة ﴿ حميم ﴾ مأخوذة من مادة " الحاء " و " الميم " و " الميم " وهي مادة كل موارد معانيها فيها الحرارة والسخونة. والحق سبحانه يقول في آية أخرى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٨٧