إذن: الكمية التي خلقها الله من المياه كما هي، لم تزد ولم تنقص، تدور الدورة التي شاءها الحق، وهكذا نرى أن الشيء يعود إلى أصله مرة أخرى، ويمكن أن نرى ذلك في كل أوجه الحياة، والحق سبحانه يقول:
والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات أمرا * إنما توعدون لصادق
[الذاريات: 1-5]. يقسم الحق سبحانه هنا بالرياح التي تحمل السحاب، وتمطر كل سحابة على الموقع المحدد لها بأمر من الله، ويلفتنا الحق سبحانه هنا إلى دورة الماء، الذي هو قوام الحياة، بأن الوعد منه سبحانه يتحقق حتما. تأمل الوردة، تجد لها نعومة ونضارة لأن فيها شيئا كثيرا من المائية، ولها لون جميل ورائحة ذكية تفوح، فإذا قطفتها تتساقط أوراقها وتجف لأن ما فيها من المائية يتبخر فما أخذته الوردة من الماء عاد إلى مخزنه مرة أخرى، وكذلك الرائحة تظل في أرواقها الذابلة إلى أن تنتهي، وكذلك اللون، ثم تخرج وردة جديدة. إذن: حياة كل كائن في الوجود والعالم في حركته ناشئة عن هذه الدورة، فإذا كانت مائية حياتكم تدور أتستبعد أن تدور أنت بمكوناتك؟ هب أن إنسانا وجد ومات بخروج الروح من الجسد ويوارى الجثمان ويتبخر ما فيه من ماء، وتتحلل مواد الجثمان مع عناصر الأرض لتصير ترابا، فهل يعجز الحق أن يعيد إلى الوجود أبعاض هذا الإنسان؟ طبعا لا يمكن أن يعجز. الحياة - إذن - احتكاك هذه الدورات لتلك العناصر، فلم يزد شيء عليها، ولم ينقص منها شيء. واقرأ القرآن بتبصر تجد قوله الحق:
قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ
[ق: 4]. وهكذا يبين لنا الحق أن العناصر كلها موجودة في الكون، قد تزيد في مخلوق عن الآخر، لكن المجموع الكلي لكل العناصر ثابت، وإذا كان العلم قد توصل إلى أن هناك ستة عشر عنصرا تكون الكائنات، فهذه العناصر ثابتة الكمية، وإن اكتشفوا زيادة في عددها، فالزيادة في عدد العناصر ستكون أيضا ثابتة الكم لكل عنصر. وقال العلماء: إن الستة عشر عنصرا هي: الأوكسوجين، والكربون، والهيدروجين، والنتروجين، والمغنسيوم، والبوتاسيوم، والصوديوم، وغيرها. كل هذه العناصر تعود إلى أصلها بعد أن تموت الكائنات وتتحلل. هكذا يصدق قول الحق:
قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ
[ق: 4]. وقد حاول بعض الفلاسفة أن يعترضوا اعتراضا ثانيا وقالوا: هب أن إنسانا مات، ثم تحللت عناصره في الأرض. ألا تذهب عناصره إلى كائنات أخرى، مثل شجرة أنتجت ثمرة أو غير ذلك، ثم أكلها إنسان آخر، فدخلت في أجزائه، إذن: فمن مات ونشأت على أنقاضه ثمرة، أو غير ذلك، ودخلت المكونات في إنسان آخر، فكيف يبعث الله كل إنسان من جديد؟ ونقول: أنت عرفت شيئا، وغابت عنك أشياء.
انظر مثلا إلى السمنة والنحافة كظاهرة موجودة في الناس وتراها كل يوم، ومعنى السمنة أن كمية من مادة معينة تزيد في الإنسان السمين أكثر من مادة الإنسان الآخر النحيف. وقد يطرأ على السمين ما يجعله نحيفا أو العكس. فهل هذا يغير من شخصيته؟ طبعا لا، وهكذا نجد فارقا بين المشخصات وبين تكوين المشخصات من العناصر. وما دام الحق سبحانه قد أعلمنا أنه لا شيء ينقص من الأرض إلا بمقدار مكونات الكائنات الموجودة عليها، فالعناصر التي في الأرض تكفي كل الكائنات، ويوزعها سبحانه بالنسب اللازمة، وأنت إن جمعت هذه العناصر فستجدها ثابتة الكم وإن اختلفت في كيفية تكوين الكائنات. مثال ذلك: أنك تجد إنسانا وزنه مائة كيلو جرام، ويمرض فيهزل وينقص وزنه إلى سبعين كيلو جراما، ومعنى ذلك أن الثلاثين كيلو جراما الأخرى ذهبت إلى الأرض، فلكل جسم قاعدة يقف عندها الوزن إلى سن معينة، وتعتبر هذه هي القاعدة التي يزيد فوقها الوزن، أو يقل عنها حسب ظروف التغذية والصحة. وأنت ترى الطفل يفرز أقل مما يتناول من الغذاء حتى ينمو، ولو كان يخرج إفرازات تساوي - في الكمية - ما يأكل ويشرب لما كبر. ومن بعد ذلك يكبر إلى أن يصل إلى وزن ثابت تقريبا، فتخرج منه إفرازات تساوي ما يدخل إليه، ثم تأتي الشيخوخة فيخف الوزن، وهذا يعني أن ما يخرج منه أكثر مما يدخل إليه فتنشأ النحافة. وهب أن طبيبا حاذقا استطاع أن يعلم الداء الذي يسبب إصابة مريض ما بالهزال، وأعطاه من الدواء ما جعله يسترد عافيته، ومعها ما فقد من الوزن، وتتحسن تغذية هذا المريض أثناء فترة العلاج، فهل تتغير شخصية هذا المريض؟ طبعا لا لأن ما خرج منه أثناء الهزال ذهب إلى الأرض، ثم استرد مثله من الأغذية أثناء الشفاء. إذن: فلا تقل: إن هناك شيئا نقص، فعند الله كتاب حفيظ فيه مكونات كل الكون، ويأتي بعناصر معينة، ويأمرها ب " كن " فتكون إنسانا، أو تكون كائنا آخر حسب مشيئة الله سبحانه. وإذا كنا نتحدث الآن كيميائيا فنحن نتكلم بذلك ليثبت عقديا وعقليا لأننا آمنا بأن هناك منهجا من المكلف، والمنهج عرضة لأن يطاع أو يعصى، ومن يطع الله في المنهج، فهو يحدد حريته، والذي لم يطع الله واستسلم للضياع فهو الخاسر لأن منطق العقل يؤكد أن من يأخذ المنهج ويلتزم به ويكبح شهواته لا يمكن أن يستوي مع من عبث، ولا بد أن يفترض منطق العقل أن يوجد بعث يجازي بالطيبات من سار على المنهج، ويعاقب من خرج على المنهج. وما دام قد وجد إله، ووجد بلاغ عن الله بواسطة الرسل، ووجد تكليف ب " افعل " و " لا تفعل " ، ووجدت طاعة للتكليف، ومعصية للتكليف، إذن: لا بد بعد هذه الحياة من بعث، ويأخذ من أحسن جزاءه، وينال من أساء عقابه ولذلك قال الحق: { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط.