وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه...
[الكهف: 29]. و ﴿ كالمهل ﴾ أي: أنه يغلي، وحين تكون المادة من غير الماء، فدرجة حرارتها أثناء الغليان تكون أعلى من درجة حرارة غليان الماء فالنحاس مثلا حين يغلي تكون درجته أعلى من درجة غليان الماء، وكذلك الحديد والذهب وغيرها، وسبحانه يقول:
إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم
[الدخان: 43-46]. إذن: فدرجة غليان المهل أعلى من درجة غليان الماء، والمادة كلها تفيد الحرارة. وإن نظرنا إلى كلمة " حمام " و " استحم " ، فهي تعني أن الماء حين ينزل على البدن يكون له ثلاث صور: الصورة الأولى مسح، والصورة الثانية غسل، والصورة الثالثة استحمام. والمسح أن تبل الشيء بالماء بدون أن يقطر منه شيء، والغسل أن تسيل الماء من الجسد المغسول، والاستحمام أيضا فيه سيولة للماء. والغسل للتطهير، لكن الاستحمام للتنظيف، فإن أحدثت فأنت تقوم لتتوضأ.
فاغسلوا وجوهكم...
[المائدة: 6]. تنفيذا لأمر الله وهو غسل التطهير، ويقوم مقامه التراب في حالة عدم وجود الماء وهو التيمم. أما إذا كانت المسألة تنظيفا فهي تحتاج إلى الاستحمام لأن مسام الإنسان لها إفرازات قد تكون دهنية، وبعد ذلك تطرأ عليها أتربة تسدها، وهذه المسام أبعاض من الإنسان وأبعاض من تراب طاهر جاء على الجسم، وهي لا تنجسه، فإن اغتسلت فيكفي أن تصب الماء على الجسم، ولو بقي بعض من ذرات التراب على البدن فهذا لا يمنع الطهارة، لكن حين يستحم الإنسان فهو يأتي بماء حار ليذيب القذارة وينقي المسام، وتخرج بعض الأتربة ومعها الخلايا الجلدية الميتة وكأنها خيوط رفيعة.
إذن: هناك فرق بين الغسل وهو للتطهير وبين الاستحمام الذي هو للنظافة. ونأخذ منه الحمام، إذن: مادة الحاء والميم والميم فيها الحرارة وفيها السخونة. ويقول الحق هنا: ﴿ والذين كفروا لهم شراب من حميم ﴾ ، وكلمة ﴿ شراب ﴾ تفيد الارتواء، فلماذا جاء بها الله هنا؟ إنها تصعيد للعذاب لأن الإنسان يرغب في الشراب ليرطب جوفه، فإذا ألهبه ما يشرب، فهذا أكثر إيلاما مثل قوله تعالى:
وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب...
[الكهف: 29]. وحين تسمع هذه الآية تجد انبساط الأمل في صدر الآية ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا ﴾ وهم يستشرفون للنجاة، ثم يأتيهم غوث من لون يناسب ما اقترفوه من ذنوب ﴿ يغاثوا بمآء كالمهل ﴾. إذن: ف ﴿ والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ﴾ أي: بسبب كفرهم. وعرفنا أنهم كفروا بالقضايا العقدية. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ هو الذي جعل الشمس... ﴾.