تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أصدق من الله قيلا

[النساء: 122]. ولأنه أقوى مما خلق وممن خلق. ولا تخونه إمكاناته لأنه يملك الكون كله. وكلمة " الرجوع " في قوله تعالى: ﴿ إليه مرجعكم جميعا ﴾ تفيد أن تكون على شيء ثم تفارق هذا الشيء وبعد ذلك ترجع له، فهي وجود أولا، ثم خروج عن الوجود، ثم عودة إلى الوجود الأول. فإذا كنت في مكان، ثم ذهبت إلى مكان آخر، وترجع إلى المكان الأول، فهذا هو الرجوع. والقول هنا يفيد أننا سنموت جميعا، مصداقا لقوله الحق:

كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام

[الرحمن: 26-27]. وقد قال الكافرون ما ذكره القرآن:

أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد

[ق: 3]. كأنهم قد استبعدوا فكرة البعث، وقالوا أيضا:

أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد...

[السجدة: 10]. أي: أنهم تساءلوا: هل بعد الموت والدفن وتحلل الجثمان إلى عناصر تمتزج بعناصر الأرض، أبعد كل ذلك بعث ونشور؟ وجاء هنا قوله سبحانه: ﴿ إليه مرجعكم جميعا ﴾ ليفيد أن الخروج إلى الوجود بالميلاد إلى الحياة، ثم بعد ذلك خروج على الحياة إلى مقابلها وهو الموت، ومن بعد ذلك البعث. وقد وقف الكافرون عند هذه النقطة واستبعدوها، فأراد الله أن يبين لنا هذه المسألة لأنها تتمة التمسك بالمنهج، وكأنه يقول لنا: إياكم أن تظنوا أنكم أخذتم الحياة، وأفلتم بها وتمتعتم، ثم ينتهي الأمر؟ لا، إن هناك بعثا وحسابا. لذلك قال: ﴿ إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا ﴾ [يونس: 4]. فإن قال قائل: كيف يكون ذلك. يأتي القول الحق: ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ فالذي قدر على أن يخلق من عدم أيعجز أن يعيد من موجود؟ إنه الحق القائل:

وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا

[مريم: 9]. فإذا شاء أن يعيدكم فلا تتساءلوا كيف؟ لأن ذراتكم موجودة، والحق سبحانه يقول:

أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد

[ق: 15]. هكذا يستدل الحق سبحانه بالخلق الأول على إمكان الخلق الثاني، فإن كنتم تتعجبون من أنكم تعودون بعد أن أوجد الحق أجزاءكم وذراتكم ومواصفاتكم فانظروا إلى الخلق الأول فقد خلقكم من لا شيء أفيعجز أن يعيدكم من شيء؟ ﴿ أفعيينا بالخلق الأول ﴾. وجاء الفلاسفة وأقاموا ضجة، فجاء الحق سبحانه وتعالى من الكون بالأدلة، وقال:

وترى الأرض هامدة...

[الحج: 5]. أي: أرضا ميتة وليس فيها أي حياة.

فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج

[الحج: 5]. إذن: فلا عجب أن تصدر حياة عن موت، وأنتم ترون ذلك كل ساعة. والحياة التي تراها أمامك ليست إلا دورة لأن الله حين خلق الكون، خلق عناصره، ولا زيادة على هذه العناصر. وخذ مادة واحدة وهي المياه، فمنذ أن خلق الحق سبحانه المياه لم تزد ولم تنقص، ويشرب منها الإنسان والحيوان، ولو أخذ كل واحد في حياته أي قدر من المياه، تظل المياه كما هي لأن هذا الإنسان يفرز ما شربه على هيئة عرق وإفرازات مختلفة، وكل ذلك يخرج منه، ويبقى ما يمثل وزنه. إذن: فما أخذته من المياه إنما يخرج منك مختلطا بأشياء نتيجة التفاعل الذي يعطيك طاقة الحياة، وبعد ذلك يتبخر الماء، وعملية التبخير هي تقطير للماء، فأنت إذا أردت تقطير المياه تسخنها إلى درجة الغليان فتتحول بعد ذلك إلى بخار، ثم تكثفها لتعود مياها من جديد. إذن: فالماء له دورة، نروي منه الزرع فيأخذ المائية ويصير أخضر اللون، ويخرج منه الماء الزائد عن حاجته في عملية النتح، ثم يجف، بعد أن تخرج منه المياه بالتبخر، وكل ذلك دون أن يشعر أحد بحكاية التبخير هذه. وأنت حين تحضر كوبا من الماء المقطر في الصيدلية، تتكلف كثيرا، وتحتاج موقدا وإناء وأنابيب، ثم إلى مياه أخرى باردة لتكثف البخار، ولكن هذه مسألة تحدث في الكون ملايين المرات، ولا يدري بها أحد. وبعد أن تتبخر المياه تصير سحابا، ثم ينهمر المطر وهو مياه مقطرة. ولذلك تجد أن مساحة رقعة الماء ثلاثة أرباع الأرض لتخدم الربع الباقي اليابسة لأن الله يريد اتساع سطح الأرض، وهذا الاتساع هو الذي يساعد على التقطير والتبخير والتكثيف. مثلما تجيء أنت بكوب ماء، وتضعه في حجرة، ثم تغيب شهرا عن الحجرة، فعند عودتك إليها قد تجد الكوب نقص ما مقداره نصف سنتيمتر تقريبا، لكنك إن أخذت كوب الماء نفسه وألقيت ما فيه من ماء ليسيح على أرض الغرفة، فستجد أن الأرض جفت خلال ساعات قليلة، وهكذا نجد أن اتساع الرقعة إنما يساعد على سرعة البخر.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٨٥