تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اذكروا...

[فاطر: 3]. وحين يجلس الإنسان بمفرده ولا تحركه شهواته فهو يهتدي إلى الإيمان بأن هذا الكون لم يأت صدفة. واسم الخالق للكون لا يمكن أن يعرفه الإنسان بعقله لأن التصورات تختلف من إنسان لآخر.

وتجد أن الفلاسفة حين أقروا بأن هذا الكون لا بد له من خالق لم يتعرفوا على الاسم، بل أخطأ بعضهم التصور وظنوا أن من خلق الكون ترك النواميس لتعمل، وتناسوا أن الخالق لا يباشر سلطانه في الكون مرة واحدة. لذلك جاء الرسل بالمعجزات التي تخرق النواميس ليدلنا سبحانه على أنه هو الذي خلق، وله قيومية على ما خلق، فليست المسألة مسألة نواميس تعمل بذاتها، بل شاء سبحانه أن يدلنا على عدم الآلية في الكون. ونحن نعلم أن الآلية التي يصممها البشر في بعض المعدات تتسبب في إحداث جمود، فالعقل الإلكتروني ليست له قيومية على المعلومات المختزنة فيه، فلا يستطيع أن يخفي منها شيئا إذا طلبت منه. أما عقل الإنسان فله سيطرة على معلوماته ويستطيع أن يخفي ما شاء منها، ولذلك قال الحق سبحانه:

ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون

[البقرة: 42]. فما دام قيل للإنسان: لا تكتم الحق. إذن: فله قدرة على الإخفاء. والوردة الطبيعية - على سبيل المثال - حيويتها في ذبولها على عكس الوردة الصناعية التي تظل على جمودها ليس فيها حياة. والحق حين يقول:

أفلا تعقلون...

[المؤمنون: 80]. أو

أفلا تتذكرون...

[السجدة: 4]. فهو يحرض الإنسان على أن يتذكر، ويتفكر، ويعتبر. ولو كان القرآن يريد أن يخدع الإنسان، لما أثار انتباهه إلى ضرورة التذكر والتفكر والتدبر والاعتبار. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى: هب أنك ذهبت إلى محل للصوف لتشتري قماشا متميزا، فتجد البائع يفرد أمامك القماش، ويشده بيديه ليبين لك متانته، ثم يأخذ منه خيطا ويحرقه ليبين لك أنه صوف خالص نقي، إن هذا البائع يحاول أن يشرح لك خبايا صناعة الصوف لأنه واثق من جودة ما يبيع. هذا ما يحدث فيما بين البشر، فما بالنا حين يعرض خالق الكون على مخلوقاته أسرار الكون ويدعوهم عبر منهجه إلى التذكر والتعقل والتفكر والتدبر والاعتبار. والحق سبحانه يطلب منا ذلك ثقة منه في أن الإنسان منا، إن فعل ذلك فسيصل إلى مراد الحق من الخلق. وإياكم أن تظنوا أن الله خلق لكم، ثم خلق لكم، ثم أنزل لكم المنهج ليسعد حياتكم في الدنيا والآخرة، ثم اعتزلكم. لا، بل هو قيوم حياتكم ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يفلت منه شيء، ولا أحد بقادر على أن يختلس منه شيئا. وفي الحديث القدسي:

" يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم. وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم ".

وأنت في الحياة اليومية تعرف أن أحدا لا يقترب من إنسان قوي منتبه. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ إليه مرجعكم جميعا وعد الله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٨٣