وهكذا نجد أنفسنا أمام نفسين: شافعة، ومشفوع لها. والضمير يعود على أي من النفسين. وهكذا نجد أن صدر كل آية من الآيتين اللتين يقال عنهما: إنهما متشابهتان، صدر كل منهما منسجم مع عجزها. وينهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بعد أن أوجزت الآية فكرة عن خلق الله تعالى للكون، وأنه يشفع لمن شاء ويختار من يقدم له الشفاعة، فيقول: ﴿ ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ﴾ [يونس: 3]. فسبحانه خلق الكون، واستتبت بيده مقاليد الأمور، وخلق الإنسان ليعمر هذا الكون، ونعلم أنه سبحانه قد شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو، وحين يشهد الحق لنفسه، فسبحانه على ثقة تامة بأن أوامره في كونه نافذة. وقوله سبحانه: ﴿ ذلكم ﴾ أي: إشارة إلى ما تقدم من خلق السماوات والأرض، والاستواء على العرش، وتدبير الأمر كله، ولا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، هذا هو الله ربكم، وما دام هو ربكم فاعبدوه لأنه هو الذي خلق من عدم، وأمد من عدم، وله كل صفات الكمال المطلق. وهذه العبادة لا تعود عليه سبحانه بأي فائدة، فسبحانه منزه عن فائدة تعود عليه لأنكم إن عبدتموه فلن تزيدوا في ملكه شيئا، وإن لم تعبدوه فلن تنقصوا من ملكه شيئا. والعبادة يعود نفعها عليكم لأنكم ستأخذون بها منهجا يخرج كل الخلق عن أهوائهم، ويصير هوى الموجه واحدا، فلا تصطدم إرادة بإرادة، بل تتساند الإرادات فيتكامل العالم. إذن: فالعبادة توحد أهواء الخلق إلى مراد واحد، لا يأنف الإنسان منا أن يخضع له لأن هذا ليس خضوعا من بشر لبشر، بل خضوعا من مخلوق لخالق، وبذلك تستقيم أموركم الاختيارية، كما استقامت أموركم غير الاختيارية. وهكذا لا تنحصر العبادة في أركان الإسلام الخمسة فقط، بل تكون هذه الأركان الخمسة هي الدعائم التي تقوم عليها عمارة الإسلام، وكل الإسلام هو كل أمر لله وكل نهي له سبحانه ولذلك حين نتابع تسلسل الأمور، سنجد أن أركان الإسلام الواجبة تعتمد على حركة الحياة كلها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ويقول الحق في آخر الآية: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ والذهن أو المخ - كما نسميه - فيه ملكات متعددة مثل: ملكة التخيل، وملكة الحفظ والاختزان، وكثير من الملكات الأخرى منها ملكة التذكر. ومعنى التذكر أن شيئا سبق لك إلف به، فطرأ عليك ما أنساك، وحين تنسى أمرا يخص أحد أقرانك، فهو يقول لك: تذكر يا أخي الأمر الفلاني، وهو لا يأتي لك بأمر مجهول لم تعرفه أولا، بل يأتي لك بأمر كان معلوما لك، ولكنك نسيته.
والإنسان حين ينظر إلى الكون نظرة غير متحيزة لا بد أن يؤمن بأن لهذا الكون إلها، وهذا الأمر لا نأخذه من الفلاسفة، بل من رجل الشارع، وراعى الشاة فقد جاء في الأثر أن راعيا كان يسير في الصحراء فرأى بعرا في الطريق، فقال: إذا كان البعر يدل على البعير، والسير يدل على المسير، أفلا يدل كل هذا الكون على وجود اللطيف الخبير؟! والمثال من حياتنا اليومية: أن غسالة الملابس الكهربية - وهي لا تدل على شيء ضروري في الحياة، بدليل أن السابقين علينا كانوا يغسلون ملابسهم بدونها، فهي تمثل ترفا، لا ضرورة - نجد الناس يعرفون من الذي ابتكرها، ومن أوصلها بالكهرباء ومن صنع لها توقيتات دورات الغسيل، ومثلها مثل المصباح الكهربي الذي يفسد بعد عدد معين من الساعات، ونجد التلاميذ يدرسون تاريخ من صنعه، فهل يمكن أن ننسى من خلق الشمس التي تضيء الكون؟ بل ونجد في زماننا العالم والكافر وهو يمدنا بأدلة الإيمان، فكل اختراع نجد من يسجله حتى لا يسرقه غيره، فما بالنا بالشمس التي تضيء وتدفئ، والقمر الذي يحدد الشهور، والنجوم التي تدل الناس على الاتجاهات ولا شيء في كون الله يحتاج إلى قطع غيار، ألا نعترف بمن خلق كل ذلك، ها هو ذا سبحانه يدلنا على من خلق ويبلغنا ما يسجل له ملكية ما خلق، فأنزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم ليدلنا على أنه سبحانه الذي خلق، وأبقى الله الكافرين ليتحدى من يناقض قضية الخلق. وسجل الحق سبحانه ما خلقه لنفسه، ولم يقدر أحد من الكافرين على إنكار ذلك. ولن نأخذ الأدلة على وجود الله من الفلاسفة الذين يرتبون النتائج على المقدمات، ومطابقة قياس الشكل على الموضوع، بل سوف نأخذ الدليل من كلمة " الكفر " نفسها، هذه الكلمة كفر تعني: ستر، فهل يستر إلا موجود؟ إذن: فالكفر بالله دليل على وجود الله، وما دام الكفر سترا، فالكفر أمر طارئ، نتيجة للغفلة، والغفلة إنما تأتي لأن مقتضيات الإيمان تقيد النفس في حركتها لذلك قد يغفل الإنسان متناسيا أن قيود المنهج لا تطبق عليه وحده، بل تطبق على كل الناس. فحين يحرم الله السرقة، فهو لم يحرمها على إنسان واحد، بل حرمها على كل إنسان، فقيد الآخرين ومنعهم من أن يسرقوا منك. وحين يأمرك بغض بصرك عن محارم جارك، فهو يحمي محارمك أن ينظر إليها غيرك. إذن: فالإيمان جاء بالنفعية لكل إنسان. وما دام الأمر كذلك، نجد الحق سبحانه يقول: