تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الحسنات يذهبن السيئات

[هود: 114]. فالعبد حين يزيد من الحسنات فالحق سبحانه قد يمحو السيئات، وليعلم كل إنسان أنه إن اختلس من الله حكما فهو لن يستطيع أن يهرب من العقاب، وعليه أن يزيد من الحسنات، ويرجو المغفرة من الله وقبول التكفير بالحسنات عن السيئات، ولن يفلت أحد من ملكوت الله. وهب أن إنسانا فيه نقطة ضعف، وأذنب ذنبا، وعنده نقطة قوة يطيع فيها الله بسهولة ويسر، هذا الإنسان له أن يعلم أن الله يحبه لأجل نقطة قوته هذه، وقد يرحمه الله سبحانه فيما أذنب من الذنوب، ويجعل المأذون له في الشفاعة يشفع له عنده سبحانه. فلماذا أراد الحق ذلك؟ شاء الحق ذلك حتى لا يحرم العالم من الحسنات التي يجيدها ذلك الإنسان. ويحكي لنا الحديث النبوي الشريف عن الرجل الذي لقي كلبا يلهث من العطش، ولم يجد الرجل إناء يملأه ماء من البئر ليسقي الكلب، فنزل البئر وملأ خفه، وعاد إلى الكلب ليسقيه. وبطبيعة الحال لم يكن هذا الرجل لينافق الكلب، بل منتهى الرحمة بهذا الحيوان، كذات خلقها الله لذلك غفر الحق سبحانه لهذا الرجل. وهكذا نفهم أن الحق يغفر ويمحو السيئات. وقد جعل الحق سبحانه الشفاعة لرسول الله تكريما له صلى الله عليه وسلم، وكذلك في المأذون له في الشفاعة، حتى يعلم المسلم أن الرسول قد يشفع له، وأن المؤمن قد يشفع لأخيه، وأن الأب قد يشفع لابنه، وحين يعلم المسلم ذلك، فهو يحسن إلى كل هؤلاء لعله يحصل على الشفاعة منهم، ويحسن اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحسن معاملة المؤمنين، ويحسن الابن معاملة والديه، وهكذا يعيش المجتمع في كرامة الشفاعة بعمل الخير وإخلاص النية.

وإذا رأيت إنسانا محسنا في دينه، فلا بد لك أن تحترمه لأن إحسانه في دينه قد ينفعك أنت ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة يقول:

إياك نعبد وإياك نستعين

[الفاتحة: 5]. وكان الحق سبحانه قادرا أن ينزلها " إياك أعبد وإياك أستعين " ولكنه شاء أن تنزل على صورتها تلك حتى يأذن سبحانه بقبول الصفقة من كل قائليها، فيتقبل من عباده أعمالهم بما يغفر لبعضهم الأشياء المعيبة. ولذلك أقول: إن رأيت إنسانا مستغرقا في العبادة فلا تسخر منه ولا تهزأ به لأن حرصه على الطاعة وانشغاله بالعبادة قد تنفعك أنت. وساعة تتلقى أمرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجده شاقا، فعليك أن تتذكر أنه المرجع الذي قد يشفع لك في الأمور التي لم تقدر عليها. ولا بد أن يرضى الحق عن المشفوع له لأنه قد أجاد فعل حسنات. وإن كانت له سيئات، وقد رأى رجل سيدنا عمر في رؤيا، فسأل الرائي سيدنا عمر بن الخطاب: ماذا فعل الله بك يا ابن الخطاب؟ فقال سيدنا عمر: غفر الله لي. فسأل الرائي: بماذا؟ أجاب سيدنا عمر: لأني رأيت غلاما يعبث بعصفور فاشتريته حتى لا أفجعه في عصفور يملكه، وأخذت العصفور وأطلقته. واعترض أحد السامعين للرؤيا متسائلا: ألم يفعل ابن الخطاب أعمالا تؤهله لمغفرة الله إلا مسألة العصفور هذه؟ فقال له قائل: أحسن الفهم يا رجل فمسألة إطلاق العصفور إنما تخص غفر الخطايا، وأما أعمال عمر بن الخطاب الجليلة فهي لرفع الدرجات. وفي القرآن آيتان جاءتا بنص متقارب، فالحق يقول:

واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل...

[البقرة: 48]. والآية الثانية تقول:

واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة...

[البقرة: 123]. ومن حاولوا المقارنة بين الآيتين بغرض الطعن في القرآن، هم من الغرباء عن اللغة ولا يملكون ملكة البيان التي يمكن أن يستقبلوا الأساليب بها، ولو امتلكوا هذه الملكة لعلموا أن الصدر في الآيتين محتمل لوجهين، فهناك نفس جازية هي التي تتشفع ونفس مجزي عنها هي التي يتشفع لها. والضمير الذي يأتي في قوله الحق: ﴿ ولا يقبل منها ﴾ و ﴿ ولا يؤخذ منها ﴾ و ﴿ ولا تنفعها ﴾ ، هذا الضمير يصح أن يرجع إلى النفس الشافعة، ويصح أن يرجع إلى النفس المشفوع لها. والإنسان منا إذا ما كان عليه شيء لإنسان آخر، وغير قادر على أن يستبرئ ذمته منه، فهو يلجأ إلى صديق لهذا الآخر، له مكانة عنده ليستشفع له. وفور أن يذهب صاحب المكانة إلى هذا الآخر فهو يقول له: هل تقبل شفاعتي لفلان؟ فإن قال صاحب الأمر: لن أقبل الشفاعة، فالمستشفع عنده يقول له: إذن: سأدفع العدل، أي: ما يساوي قيمة ما كنت سأتشفع له فيه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٨١