تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض...

[المؤمنون: 71]. ولهذا نرى أن تدبير الله فيما لا دخل لنا فيه، تدبير محكم، وما يسير بدون تدخل من البشر إنما يتبع نظاما مستقيما، وشاء الحق أن يجعل نواميس الكون تعمل بدقة يندهش لها المؤمنون بالله والكافرون به، فسبحانه يحكم في ملكه بدقة متناهية حتى إن بعض العلماء ممن لا يؤمنون بمنهج الله قد حددوا مواعيد الكسوف الكلي أو الجزئي للشمس أو القمر بدقة متناهية وذلك باستقرائهم لمعطيات الكون.

وما دمتم أنتم تتميزون على الكافرين بالإيمان بالله، فخذوا منهج الله في حياتكم لتستقيم أموركم بمثل استقامة الكون. ولذلك قال سبحانه: ﴿ يدبر الأمر... ﴾ [يونس: 3]. ويضيف: ﴿ ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ وجاء الحق بمسألة الشفاعة بعد مسألة تدبير الأمر لأن هؤلاء الكافرين الذين تعجبوا من إرسال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، كانوا يعبدون ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون: إن تلك الأصنام تشفع لهم عند الله، مصداقا لقوله الحق:

ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله...

[يونس: 18]. ولذلك يفصل الحق سبحانه مسألة الشفاعة. فالإنسان لا يحتاج إلى شفاعة عند من يملك الأمر إلا إذا ارتكب جرما أو حدث منه تقصير في أمر ما. والآية أوضحت أنهم يعبدون ما لا يضرهم إن لم يعبدوه، وما لا ينفعهم إن عبدوه. وأقروا أن مثل هذه الأصنام إنما تشفع لهم، والشفاعة من الشفع، والشفع ضد الوتر. والوتر هو ما لا يقبل القسمة على اثنين، فيكون الوتر رقما فرديا. والعبد من هؤلاء له موقف من الإله الذي يعبده، وهو غير قادر على مواجهته لأنه مقصر، فبدلا من أن يقابله فردا يأتي بآخر معه ليشفع له، وهكذا يكون معنى الشفع هو تعضيد الفرد بواحد آخر فينتقل من كونه وترا إلى كونه شفعا. وكان الكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون عن تلك الأصنام: إنهم شفعاء لهم عند الله، فيقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ ما من شفيع إلا من بعد إذنه... ﴾ [يونس: 3]. لأن الشفاعة تقتضي شافعا ومشفوعا عنده، ومشفوعا له، ومشفوعا فيه، هذه هي الأربعة العناصر في الشفاعة. والذي يستشفع هو المقصر، وهؤلاء الكفار قالوا عن الأصنام: إنها شفعاء لهم عند الله، وهذا إقرار منهم بالتقصير، وأقروا بأن المشفوع عنده هو الله، وأما المشفوع فيه فهو تخفيف العذاب أو إنهاء العذاب. إذن: فالمشفوع فيه أمر مشترك، والمشفوع عنده أمر مشترك، أما الأمر في الشافع، والأمر في المشفوع له، فهما مختلفان. وأنت - على سبيل المثال، لا تأتي بإنسان يسير في الطريق وترسله ليشفع لك مثلا عند المحافظ أو عند الوزير إن كانت لك حاجة عند أي منهما، بل تأتي بإنسان تعلم رضا المحافظ عنه أو رضا الوزير عنه، وله منزلة ومكانة، وهذه المنزلة والمكانة تسمحان له بالإذن في أن يكلم المحافظ أو الوزير في أمور الناس.

وإذا كان هذا هو الحال في الشفاعة من البشر لدى البشر، فما بالنا بالشفاعة للإنسان لدى الله؟ لذلك بين الحق هنا أن الشفيع لا بد أن يكون بإذن منه سبحانه ﴿ ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ [يونس: 3]. وفي سورة البقرة يقول سبحانه:

من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه...

[البقرة: 255]. وفي آية أخرى يقول سبحانه:

يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا

[طه: 109]. إذن: فالشفيع لا بد له من إذن ورضا من الله. أما المشفوع له فقد قال الحق:

ولا يشفعون إلا لمن ارتضى...

[الأنبياء: 28]. هكذا بين لنا الحق عناصر الشفاعة: الشافع، والمشفوع له، والمشفوع عنده وهو الله سبحانه، والمشفوع فيه هو الذنوب وهي معروفة. ولقائل أن يتساءل: ما دام الحق سبحانه قد رضي عن عبد، فلماذا يحتاج العبد إلى الشفاعة؟ وأقول: لننتبه إلى أن الإنسان يتعرض لأعمال كثيرة، وله نقاط ضعف في حياته قد تكون كثيرة، وقد تكون قليلة، فإذا جاء في نقطة الضعف وأذنب ذنبا، فعليه أن يزيد من فعل النقاط القوية التي تكتب له بها الحسنات لأن المعيار هو:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٨٠