وهكذا تجد أن كل الأعمال التي يتم الواجب بها هي أعمال واجبة، فستر العورة أمر شرعي، وهكذا يتسع مفهوم العبادة ليكون معناها: كل حركة تؤدي إلى إبقاء الصالح على صلاحه وزيادة الصالح إلى ما هو أصلح. والمثال الذي أضربه دائما: هو حاجة الإنسان إلى الماء للشرب، والغسل من الجنابة وطهو الطعام وغير ذلك، وكان الإنسان قديما يشرب من الآبار، ثم تطور التفكير إلى إقامة شبكات لتوزيع المياه بعد تنقيتها، كل هذه أعمال تزيد الأمر الصالح صلاحا لأنك أخذت الماء من المطر الذي ملأ النهر، وأعليت الماء في خزانات لتنقيته، ثم اكتشفت قوانين الاستطراق ومضخات المياه ليصل الماء الطاهر إلى كل من يحتاجه. وهكذا تزيد الصالح صلاحا بالتفكير واستخدام العلم بما يفيد الإنسان، إذن: فهذا عمل عبادي ما دامت النية فيه لله. وانظر إلى يوم السوق في أي قرية، تجد من يدخله ومعه الماشية والأنعام التي يرغب في بيعها، وتجد من يدخل بالفواكه والأطعمة، ومن يدخل ومعه الثياب أو أدوات المنزل، وتجد من يدخل ليس معه شيء، وبعد انتهاء السوق تجد كل إنسان قد خرج بما يحتاج، لا بما دخل لبيعه. وهكذا ألقى الله الخواطر في قلب وتفكير إنسان ما ليبيع ما لا يحتاجه، وآخر ليشتري ما يحتاجه من إنتاج غيره. وأنت إذا نظرت إلى قرية ما، ستجد واحدا من أعيانها يرغب في بيع أرضه وقصره، ويرغب في الرحيل إلى بلدة أخرى، وهكذا ترى الميزان الاقتصادي الإلهي، الذي يوزع العباد في الأماكن التي تليق بكل واحد منهم، فإذا ما زاد واحد عن الحاجة في مكان، فهو يرحل إلى مكان آخر يحتاجه. وهذا هو التدبير الإلهي على أحسن ما يكون. وقد تجد - مثلا - الطفل يكتب بيده اليسرى، على عكس أقرانه، وقد تضربه على ذلك، فيعجز عن الكتابة باليمنى وباليسرى، وحين يقول لك الطبيب: لقد شاء الله أن يجعل ابنك موهوبا في الخط الجميل، وهو يكتب بيده اليسرى، فأنت تتعجب، وتكتشف بالفعل أن خط الطفل باليد اليسرى جميل. وأقول دائما لمن يشكون أن بعضا من أولادهم يكتبون باليد اليسرى أو يأكلون باليد اليسرى، أقول لهم: إن هذه مسألة تتعلق بالجهاز العصبي للإنسان، فهناك من خلقه الله ليعمل باليد اليمنى، وهناك من خلقه الله ليعمل باليد اليسرى، وهناك من خلقه الله ليعمل بيديه الاثنتين، مثل سيدنا عمر - رضي الله عنه - وكان " أضبط " أي: يعمل بيديه الاثنتين. وعلينا أن نحترم أقدار الله فيما خلق ومن خلق.
فسبحانه يخلق ما يريد، لا وفق قوالب، بل يخلق ما يشاء، ومع كل خلق مراد معين. وكما أحسن الحق تدبير ما ليس لكم دخل فيه، فاعلموا أنه قد أنزل المنهج ليحسن مما لكم فيه دخل، ويجعل أموركم منتظمة، وكل ذلك يدخل ضمن تدبير الأمر. وأنت إذا نظرت إلى معنى كلمة " أمر " تجد أنها كل شيء ينشأ، ولماذا عدل سبحانه عن قول: " شيء " إلى قول: " أمر " لأن كل شيء لا يوجد في الوجود إلا ب " كن " وهي أمر. وسبحانه القائل:
إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
[يس: 82]. وسبحانه يدبر الأمر في السنن المادية التي لا تتناولها يد الإنسان، فإن أراد الإنسان أن يضبط أمور حياته، فليأخذ بالمنهج الذي أنزله الله ب " افعل " و " لا تفعل " ، وأما المباحات فهي كثيرة، والإنسان حر فيها. وإذا ما سأل سائل: ولماذا اتبع المنهج؟ أقول: إن الحق شاء أن يخلق الإنسان على هيئتين: هيئة إرغامية قهرية، وهيئة اختيارية، فأنت أيها الإنسان مقهور في أشياء، ومختار في أشياء أخرى أنت مقهور في التنفس، وتتنفس آليا دون تدخل منك، تتنفس مستيقظا أو نائما، ولو كان التنفس باختيارك، لاحتجت إلى من يدير حركة تنفسك وأنت نائم؟ إذن: فمن رحمته سبحانه أن جعلك مقهورا في مثل هذه المسألة وكذلك نبضات قلبك، أنت مقهور فيها، وكذلك أنت مقهور في الحركة الدودية للأمعاء، وللحركة الانبساطية والانقباضية في المعدة، وإفراز العصارات الهضمية، كل ذلك أنت مقهور فيه، وأنت مختار في أشياء أخرى، كأن تشتري من البائع الفلاني، أو بائع غيره، وأنت مخير في أن تختار أصناف الطعام التي تهواها. والمباحات في الوجود كثيرة، وما أكثر ميادين الحرية في الحياة، وما حدده لك الحق سبحانه وتعالى ب " افعل " و " لا تفعل " ، لا يخرج عن أمور محصورة تصونك وتصون مجتمعك، وكذلك الكون الذي تحيا فيه. وإن مارست أيها الإنسان حريتك في الأمور المباحة على أي لون شئت، فذلك لا يفسد الكون. وقد شاء الحق سبحانه - أيضا - أن تكون مقهورا في بعض الأمور حتى لا يفسد الكون، فإن أكلت ما شئت من المأكولات غير المحرمة فأنت حر، وإن سلك كل إنسان كما يهوى في الأمور المباحة فلا مانع لذلك. وكل البشر يختلفون. وأراد سبحانه أن يحمي الإنسان والكون لأنه علم أزلا أن أهواء البشر تتضارب، وهو القائل: