تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله أعلم حيث يجعل رسالته...

[الأنعام: 124]. إذن: فقوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ جاء ليؤكد نفي التعجب من أن يكون الوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم:

أكان للناس عجبا أن أوحينآ...

[يونس: 2]. وعلتها أن الله هو ربكم وهو الذي خلق، ولا يجادل أحد الله فيما خلق، وفيمن خلق. وإذا كان هو سبحانه الذي خلق الإنسان والكون، فلا بد أن ينظم حركة الوجود بين الإنسان والكون لذلك اختار الرسول المناسب ليحمل منهج القيم للإنسان في " افعل كذا " و " لا تفعل كذا ". ثم ترك الحق للإنسان أمورا لا يقول له فيها: افعلها أو لا تفعلها، فهي من المباحات. وإذا استقرأت الأفعال والأحداث، ستجد أن الذي قال الله فيه " افعل " قليل، والذي قال الله فيه " لا تفعل " قليل. وبذلك تجد المباحات أكثر من " افعل " وأكثر من " لا تفعل ". وما دام سبحانه هو الذي شاء ذلك، وترك لك أيها الإنسان الكثير من الأمور المباحة، فاترك القيم لله لأن الكون المادي المخلوق لله في غاية الدقة وفي غاية النظام، ولم تمتنع الشمس أن تشرق أو تعطي ضوءها وحرارتها للناس، وما امتنع القمر أن يعطي نوره، وما امتنع السحاب أن يسقط مطرا مدرارا، وما امتنعت الأرض أن تتفاعل مع أي غرس تغرسه فتعطيك الغذاء، وكل شيء داخل في نطاق القدرة في النواميس العليا محكم ولا خلل فيه.

وإذا نظرتم إلى غير ذلك وجدتم الخلل قد حدث لأن الشيء الذي لا تدخل فيه قدرة الإنسان وإرادته هو على أتم ما يكون من النظام، ولا يفسد إلا الشيء الذي للإنسان فيه عمل واختيار، ولا يعني ذلك أن كل أعمال الإنسان تعاني من الخلل، لكن الأعمال التي تعاني من الخلل هي الأعمال التي يقبل عليها الإنسان دون منهج الله. ولو اخترنا البدائل على ضوء منهج الله، لاستقامت القيم كلها، كما استقامت لنا نواميس الكون العليا. فإذا رأيتم فسادا فلوموا أنفسكم لأن الأمر الذي لا تتناولونه بأيديكم ولا دخل لكم فيه، يعمل غاية في الدقة، فإن أردتم أن تعمل أموركم الاختيارية بغاية الدقة فخذوا منهج الله في الأفعال، ولا تفسدوها أنتم بأن تختاروا البدائل على غير مرادات الله. ولذلك أقول دائما: إنك إذا ما رأيت عورة في الوجود، يتعب منها المجتمع، فاعلم أن حدا من حدود الله قد عطل. وإن وجدت أمة متخلفة، فاعلم أنها عطلت حدود الله، وإن وجدت أمة تعاني من أمراض اجتماعية جسيمة، فاعلم أنها لا تطبق منهج الله. ويخطئ من يقصر فهم عبادة الله على أنها الانقطاع في المسجد، أو الصوم، أو إخراج الزكاة في ميعادها، أو الذهاب إلى الحج، فكل هذه هي رؤوس الإسلام تشحن العبد ليعمل وفق منهج الله، فالصلاة هي إعلان الولاء لله خمس مرات في اليوم، ومدة الصيام شهر كل عام، والزكاة إنما هي من فائض المال، والحج هو ترك للمال والأهل والولد. كل ذلك من أجل شحن الطاقة، فإذا ما شحنت الطاقة، فوجه الطاقة إلى عمل آخر. ولنأخذ الصلاة مثلا: فأنت تحتاج إلى طاقة تقيمك وتقعدك وتستبقي حياتك وقوة حركتك تحتاج كل ذلك لتصلي! إذن: فأنت تحتاج إلى طعام، ولن تطعم ما لم يكن لك عمل يتيح لك شراء الطعام، وحتى يبيع لك التاجر الخضر واللحم، والفاكهة والخبز، هو يحتاج إلى من ينتج ذلك، ومن ينتج الأطعمة يحتاج إلى من يدرس طبيعة الأرض والبذور ومعرفة الأوقات، وكل هذه الأمور تحتاج إلى أجهزة منظمة لإنتاج الطعام. فمن يزرع يحتاج إلى محاريث تحرث، وهذا يستلزم وجود الحديد وآخرين ليصهروه ويستخرجوا منه ما يصلح لصناعة المحاريث. إذن: فقيامك إلى الصلاة يحتاج إلى كل هذه الأعمال. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهكذا تجد أن كل الأعمال التي تسهل لك العبادة هي أعمال واجبة. والمثال: أنك حين تصلي تحتاج إلى ستر عورتك لذلك تشتري القماش ليفصل لك الخائط ما ترتديه من ملابس، وكل هذه الأعمال التي تنتج القماش وتصنع الثياب هي أعمال واجبة، بدءا من زراعة القطن أو الكتان أو التيل وغيرها إلى المغازل ومصانع النسيج، وغير ذلك.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٧٨