فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك...
[المؤمنون: 28]. أي: بعد أن ركب معك يا نوح من آمن من قومك، واطمأننت على نجاتهم، ستسير السفينة بإذن ربها.
إذن: فقول الحق عن ذاته: ﴿ استوى على العرش... ﴾ [يونس: 3]. يعني: أن الأمور قد استتبت وتمت. وهكذا نفهم أن كل شيء يتعلق بالحق سبحانه وتعالى نأخذه في إطار:
ليس كمثله شيء...
[الشورى: 11]. وأن كل صفة من صفاته يأتي تمثيلها ليقرب المعنى فقط ولا يعطى حقيقة المعنى لأنه سبحانه ليس كمثله شيء. وهكذا فسبحانه له استواء يليق بذاته، لا كاستواء البشر. والشاعر أبو تمام حين جاء ليمدح الخليفة المعتصم، نظر إلى الصفات التي اشتهر بها بعض القوم، " فحاتم " على سبيل المثال كان قمة الكرم. و " عنترة " هو قمة الشجاعة، " والأحنف بن قيس " قمة الحكمة، فقال الشاعر أبو تمام عن الخليفة:
إقدام عمرو في سماحة حاتم
في حلم أحنف في ذكاء إياس
وهكذا صار الخليفة مجمع فضائل لأنه أخذ إقدام عمرو، وكرم حاتم، وحلم الأحنف، وذكاء إياس. ولكن حاسد الشاعر قال: إن الأمير فوق كل من وصفت، فهؤلاء جميعا بالنسبة للخليفة صغار. وقال أحد الشعراء:
وشبهه المداح في البأس والندى
بمن لو رآه كان أصغر خادم
ففي جيشه خمسون ألفا كعنتر
وفي خزائنه ألف ألف حاتم
وحين سمع الشاعر الأول ذلك، وكانت قصيدته الأولى " سينية " ، أي: أن آخر حرف في كل أبياتها هو حرف السين، فجاء بأبيات أخرى من نفس بحر القصيدة الأولى: وقال:
لا تنكروا ضربي له من دونه
مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره
مثلا من المشكاة والنبراس
إذن: فهناك فرق بين تمثيل الشيء، وبين حقيقة الشيء، فحين قال الحق:
مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة...
[النور: 35]. فهذا مثل توضيحي للبشر. وشاء الحق ذلك ليعطينا مجرد صورة لأنه يتكلم عن أشياء لا وجود لها عندك. ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يقول عن الجنة:
" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ".
وأنت حين ترى فللرؤية حدود. وحين تسمع فأنت تسمع مرائي غيرك، وما لا يخطر على البال هو القمة، فقد ارتقى الرسول في وصفه للجنة من حدود ما تراه العين إلى آفاق ما تسمعه الأذن، ثم ارتقى من حدود السمع إلى ما لا يخطر على البال لأنه صلى الله عليه وسلم علم أن اللغة هي ألفاظ تعبر عن معان، والمعاني توجد أولا ثم نأتي لها بالألفاظ ولذلك فالأمثال لمجرد التوضيح باللغة. وهكذا نكون قد استوفينا فهم قوله الحق: ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ بما يليق بذات الله، فلا نأخذ الاستواء على المعنى الذي يدل على مكان محيز لأنه سبحانه منزه عن أن يكون متحيزا في مكان فذاته سبحانه ليست كالذوات، وفعله ليس كالأفعال، وصفاته ليست كالصفات.
ثم يقول بعد ذلك: ﴿ يدبر الأمر ﴾ أي: أنه يرتب الوجود ترتيبا يجعل كل شيء موضوعا في مكانه بحكمة. والحق سبحانه وتعالى له صفة علم، وصفة إرادة، وصفة قدرة، وصفة العلم هي التي تضع كل شيء في مكانه بحكمة. وصفة الإرادة هي التي تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه. وصفة القدرة تبرز المراد لله. إذن: فهناك علم، وهناك إرادة، وهناك قدرة تبرز المراد على وفق العلم. ومن المنطقي أن يدبر الله كل أمر لأنه سبحانه هو الذي خلق السماوات وخلق الأرض. واستوت له الأمور بحيث لم يعد هناك خلق جديد إلا ما يبرزه ب " كن ". وهو سبحانه بعد أن خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وسخر له السماوات والأرض لذلك لا بد أن يدبر سبحانه للإنسان أمور مادياته، وأمور قيمه. أما أمور الماديات فقد ظهرت في خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والماء والهواء. وما في الأرض من عناصر تنبت للإنسان ما يحتاج إليه في قوام حياته، وهو سبحانه الذي خلق كل ذلك قبل أن يخلق الإنسان، ثم جاء بالإنسان ليكون الخليفة والسيد. إذن: فالإنسان هو الذي طرأ على هذه الأمور المادية، وكان لا بد أن ينزل الحق سبحانه قيما يحيا بها الإنسان كخليفة في هذه الأمور المادية. وهكذا خلق الله القيم المعنوية، فلا تقولوا: لماذا أرسل رسولا لا يحسب في نظر بعض الناس من عظماء أقوامهم، ولا تقولوا لماذا أرسل محمدا بالتحديد لأن هذا الإرسال هو من ضمن تدبير الأمور، و