ليس كمثله شيء...
[الشورى: 11]. ومثال هذا: أن الحق سبحانه وتعالى له علم بأنك تقرأ الآن في التفسير، وفي أي مكان تقرأه، والذين من حولك يعلمون ذلك، ولكن أعلم الله يساوي علمك وعلم من حولك؟ لا، فعلمه سبحانه وتعالى هو علم أزلي، علم قبل أن توجد أنت أو يوجد غيرك لذلك فأنت إذا علمت شيئا، وعلم الله شيئا، فعلم الله يناسبه، وعلم البشر يناسبك. وأي صفة من صفات الله مطلقة، وأي صفة من صفاتك نسبية لأن الحق سبحانه هو واجب الوجود الأزلي، وأنت في هذه الحياة مجرد حدث محدود العمر بين قوى الميلاد والموت. فالله غني، وقد تكون أنت غنيا، لكن غناك لا يمكن أن يتساوى مع غنى الله. وأنت موجود والله موجود، ولكن وجودك لا يمكن أن يقاس بوجود الله. فذات الله ليست كذواتنا، وكذلك صفات الله ليست كصفاتنا، وفعله ليس كفعلنا، واستواؤه سبحانه ليس كاستوائنا، بل في إطار ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ لأن الذي يفسد الفهم أن يقال: " استوى " بمعنى: قعد. أو فلنأخذ الاستواء كتمثيل للسيطرة، وسبحانه مسيطر على كل شيء، والاستواء: يعني التمكن. وسبحانه القائل:
ولما بلغ أشده واستوى...
[القصص: 14]. إذن: فاستوى: تعني بلوغ تكوين الكمال في الذات. والإنسان منا وهو صغير - قبل البلوغ - إنما تنقصه بعض من درجات النضج في الجهاز العصبي، وكذلك في الجهاز التناسلي، فإذا ما بلغ اكتمل النضج، ويقال: استوى أي: صار قادرا على إنجاب مثله، وتمت له رجولته. ويقال عن الثمرة: إنها استوت
فاستوى على سوقه
[الفتح: 29]. أي: نضجت نضجا يبلغها أن تعطي من ثمرتها مثل ذاتها، وبذلك تضمن بقاء نوعها.
وحين بلغ الطوفان تمامه استوت مركب سيدنا نوح ومعه المؤمنون من قومه، وقال الحق:
واستوت على الجودي...
[هود: 44]. أي: استقرت على الجبل واستتب الأمر. إذن: فكل استواء لله يجب أن يؤخذ على أنه استواء يليق بذاته، وصفاته، التي قد يوجد في البشر مثلها، لكنها صفات مطلقة في إطار:
ليس كمثله شيء...
[الشورى: 11]. وفعل الله لا يمكن أن يتساوى مع فعل البشر ولذلك قلنا في حديث الإسراء: إن الكفار المعاصرين للإسراء حينما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم في أنه قد أسري به، قالوا: أتدعي أنك أتيت بيت المقدس في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا؟ وهذا القول المستنكر يؤكد أنهم قد فهموا أن الإسراء قد حدث حقيقة. ورغم ذلك تجد بعض المعاصرين - الذين يدعون المعاصرة والفهم - يتساءلون: ولماذا لا تقولون: إن الإسراء قد تم بالروح؟ ونقول لهم: إن كفار قريش أنفسهم الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقولوا ذلك، وفهموا أن الإسراء قد تم بالجسد لذلك قالوا: " أنضرب إليها أكباد الإبل شهرا، وتدعي أنك أتيتها في ليلة؟ " بل، ولم يقولوا له: إنه رأى بيت المقدس في رؤيا أو حلم لأنه لا أحد يكذب رؤيا أو حلما، وهكذا كان تكذيبهم دليلا على التصديق للإسراء إلى أن تقوم الساعة. ونقول لمن يدعي أن الإسراء إنما تم بالروح: افهم جيدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أسري بي ". إذن: فعل الإسراء منسوب لله، فلا تأخذ الإسراء بالقانون البشري، ولكن بالقانون الإلهي. والزمن في مسألة الإسراء منسوب لله، لا لمحمد صلى الله عليه وسلم. والقرآن يقول:
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا...
[الإسراء: 1]. وما دام الحق قد قال: سبحان أي: أن الله منزه عما في بال البشر من المسافات والقوة وغيرها. ولقد ضربنا مثلا لهذا - ولله المثل الأعلى - برجل يصعد بابنه الرضيع قمة جبل " إفرست " ، فلا يقال: وهل يصعد الرضيع قمة الجبل؟ فالصعود منسوب هنا للرجل، ولقدرة الرجل وقوته، لا إلى الطفل. وهكذا - ولله المثل الأعلى - فالزمن والقدرة على الإسراء منسوبان لله سبحانه، لا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ونحن في مجالنا البشرى تختلف قدراتنا في قطع المسافات وأزمانها، فمن يركب عربة يجرها حصان فقد يصل من القاهرة إلى الإسكندرية في أيام، ومن يركب سيارة فقد يصلها في ساعتين. ومن يركب طائرة فقد يصلها في نصف ساعة. إذن: فكلما زادت القوة تجد الزمن يقل، فما بالنا بقوة القوي أيكون معها زمن؟ طبعا لا. وقال الحق سبحانه لسيدنا نوح: